لهـذه الأسـباب… لا حـرب إسـرائيليـة قريبـة

عماد مرمل
اتخذت التهديدات الاسرائيلية للبنان في الايام الاخيرة منحى تصاعديا
اشتمل على تحذيرات متكررة وشديدة اللهجة الى حزب الله والحكومة من أنهما سيتلقيان ردا قاسيا وموجعا لن يميز بين المقاومة والبنى التحتية، إذا تم التعرض ولو لشعرة واحدة في رأس أي إسرائيلي، ووصل الامر برئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو الى حد الدخول على خط تشكيل الحكومة اللبنانية، رافضا دخول حزب الله إليها، محملا إياها مسبقا المسؤولية عن أي عملية يقوم بها الحزب!

هذه «النوبة العصبية» الاسرائيلية المتجددة تشبه في أي حال تلك الحملة التي قادها مسؤولون إسرائيليون ضد المعارضة قبيل الانتخابات النيابية، على قاعدة تخويف الناخبين من منحها الاكثرية، وبالتالي تعزيز موقع حزب الله في المعادلتين الداخلية والاقليمية، تحت طائلة تحويل البلد الى غزة أخرى.

كان واضحا آنذاك ان العدو وجد في العملية الانتخابية مناسبة للتأثير عليها في اتجاه تصفية الحسابات المتراكمة مع حزب الله ومحاصرته قدر الامكان في الزوايا الطائفية والمذهبية الضيقة، وهو إذ افترض انه نال ما يبتغيه مع إخفاق الحزب وحلفائه في الحصول على الغالبية البرلمانية، فوجئ بانه يوشك ان يعود الى موقع القرار في السلطة التنفيذية من الباب العريض، محتفظا بقدر من النفوذ والفعالية، يتيح له ان يكون شريكا في صناعة سياسات الحكومة المقبلة وخياراتها، الامر الذي دفع نتنياهو الى ان يدق بنفسه جرس الانذار.

بهذا المعنى، فان الصراخ الاسرائيلي الذي يواكب أي استحقاق لبناني في محاولة للتأثير عليه هو أمر ليس جديدا، بل انه يكاد يتحول الى «تقليد» يمارسه قادة العدو، على اختلاف تلاوينهم، كلما سنحت لهم الفرصة، فإذا تأخرت اخترعوها، كي يحافظوا بشكل او بآخر على موطئ قدم في الساحة اللبنانية.

ولعل التحولات الحاصلة في تركيبة المشهد الداخلي، مع عملية إعادة التموضع التي قام بها النائب وليد جنبلاط والتي بدلت موازين القوى السياسية لصالح فريق المعارضة وخيار المقاومة، فرضت على الاسرائيليين الخروج من ظل الكواليس الى خشبة المسرح المكشوف، سعيا الى التعويض عن الخلل المستجد في التوازنات المفترضة، كما كان العدو يرسمها، علما انه حتى ولو لم يغادر رئيس الحزب التقدمي خندق 14آذار، فان الامور كانت محسومة لدى الرئيس المكلف سعد الحريري في اتجاه وضع ملف المقاومة خارج التداول، بعيدا عن لعبة عض الاصابع الداخلية.

ولئن كان منتظرا من إسرائيل أن تمارس كل أنواع الابتزاز والاعتداء بحق لبنان، إلا ان ذلك يجب ألا يعفي المعنيين بتشكيل الحكومة من واجب تسجيل موقف مبدئي والرد المباشر على وقاحة نتنياهو المتمادية في التلويح بتبعات كبرى ستترتب على توزير جهة لبنانية، وذلك انسجاما مع مفاهيم الحرية والسيادة والاستقلال، ودفاعا عن هيبة الدولة التي يبدي الكثيرون حساسية فائقة حيالها عندما يتعلق الامر بسلاح المقاومة.

وبرغم ارتفاع نبرة التهديدات الاسرائيلية بشن حرب تأكل الاخضر واليابس، لا يرى الكثيرون ـ ومن بينهم الرئيس نبيه بري وحزب الله ـ ان هناك إمكانية واقعية لترجمتها الى عدوان قريب، من دون ان يمنع ذلك المقاومة من التصرف والاستعداد كما لو كانت الحرب واقعة غدا، على قاعدة ان أفضل طريقة لمنع الحرب هي الاستعداد لها.

ويجزم العارفون بتحضيرات المقاومة وجهوزيتها انه إذا كان عدوان 2006 قد انتهى إسرائيليا الى «الاندحار» فان أي عدوان جديد سيكون هذه المرة بمثابة «الانتحار»، مستشهدين في هذا المجال بمعادلة «تل أبيب مقابل الضاحية الجنوبية» والتي أرساها السيد حسن نصر الله مؤخرا، ما يفتح الباب على الأحجية الآتية: وماذا عن ثمن استهداف بيروت؟ لا يجيب العارفون على السؤال ولكنهم يكتفون بالقول: ان العدو مصيب حين يؤكد ان ما حصل عام 2006 لن يتكرر… لان الآتي سيكون أعظم إذا اندفع نحو مغامرة جديدة!

في المبدأ، فان قرارا بحجم الحرب الواسعة لا يمكن ان يُتخذ من دون ان تكون الولايات المتحدة الاميركية شريكة فيه، وهذا ما أثبته عدوان 2006 الذي تولت واشنطن هندسته وإدارته من ألفه الى يائه. وبناء عليه، من المستبعد ان يكون الرئيس الاميركي باراك أوباما مهيأ لتغطية عدوان كبير في العام الاول من ولايته، وقبل ان يكون قد استنفد خيار الحوار مع سوريا وإيران، علما ان التجارب المتعثرة لسلفه جورج بوش في العراق ولبنان وغزة وافغانستان لن تشجعه كثيرا على استعجال استبدال الجزرة بعصا… متفسخة.

وإضافة الى ذلك، يبدو واضحا ان الاولوية لدى الكيان الاسرائيلي في هذه المرحلة هي لاستكمال تهويد الاراضي الفلسطينية المحتلة، ولعل «القنابل الدخانية» التي ترمى على الحدود الشمالية، تفيد هذا الكيان في صرف الانظار ليس فقط عن خطوات التهويد في العمق الفلسطيني، وإنما أيضا عن استمرار احتلال بلدة الغجر وتلال كفرشوبا ومزارع شبعا، بحيث يُنقل النقاش من دائرة البحث في كيفية تحرير هذه الاراضي والضغط على اسرائيل للانسحاب منها الى دائرة المخاوف المزعومة التي يثيرها العدو حول احتمال تعرض رعاياه لهجمات مسلحة تستدعي ردا عنيفا منه دفاعا عن النفس!

والى جانب كل هذه المعطيات، لا يمكن إغفال وقع ذكرى الانتصار القريبة في 14آب على الداخل الاسرائيلي الذي يسعى بكل العلاجات المتاحة الى الخروج من صدمة الهزيمة عام 2006، وربما يعتقد قادته ان الحرب النفسية التي يشنونها هذه الايام على لبنان وحزب الله تساعد في إثارة ما يكفي من الضجيج لاحتواء احتفالات النصر التي باشر فيها الحزب والتي من المتوقع ان تصل الى ذروتها في 14آب، بعد ايام، حيث سيلقي السيد حسن نصر الله خطابا سيكون مزدحما بالرسائل الموجهة الى الاحتلال.


– جريدة السفير .

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s