من القلب إلى كل القلوب – العلم النهم الحميد

في الزمن الذي تشن فيه الحملات الإعلامية المعادية لتقديم الدين والإسلام على وجه الخصوص كدين للتخلف والجهل والتعصب والخرافة والرجعية وما شاكل
من المحزن أن نحتاج لنتكلم ونستدل وندافع في هذه المعركة التي تملك فيها قوى الاستكبار في العالم كل عناصر الدعاية والإعلام ومراكز الدراسات.‏

* مصدر العلم الله:‏

الله سبحانه وتعالى هو الذي أنزل الكتب السماوية، وهو الذي بعث الأنبياء والرسل قادة الدين إلى البشرية، وفي نفس الوقت الله سبحانه وتعالى هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم، فالدين مصدره الله والعلم مصدره الله. وهناك من يصرّ على صراع بين الدين وبين العلم. في التاريخ، الأنبياء والرسل لم يكونوا فقط مبلغي رسالات الدين، بل كانوا أيضاً معلمي البشرية في الكثير من مجالات العلم وهدوا‏ ‏الناس وفتحوا أمامهم كل الأبواب. ثم عندما نأتي إلى كتاب الإسلام الخالد القرآن الكريم وإلى الأحاديث الشريفة المروية عن رسول الله (ص)، لا أظن أن هناك ديناً أو عقيدة أو فكراً أو حضارة تحدثت عن العلم والمعرفة ومكانة العلماء وحثت على طلب العلم وبيّنت قيمة ودرجة وأثر العلم في الدنيا وفي الآخرة أيضاً كما فعل محمد بن عبد الله (ص) نبي الإسلام العظيم وخاتم النبيين. لا أظن أن أحداً قبل رسول الإسلام خطر في باله أن يجعل فداء الأسرى الذين وقعوا في يد المسلمين في معركة بدر أن يعلم كل أسير عشرة من المسلمين! حتى الفدية أراد أن يوظفها في خدمة التعليم والتعلم والمعرفة.‏‏

* وصيّة الأنبياء والكتب السماوية:‏

على كل حال، اليوم نحن نؤكد هذه الحقيقة الإسلامية الراسخة وهذه المكانة العالية للعلم والعلماء والمتعلمين والمعلمين. وهنا نحن طبعاً لا نتحدث عن العلوم الدينية كما قد يشتبه البعض، بل نتحدث عن كل علم ومعرفة تقرب الإنسان من الله سبحانه وتعالى وتجعل الإنسان في خدمة أهله ومجتمعه وأمته وكل البشرية. كل علم نافع من هذا النوع هو العلم الممدوح، هو العلم الذي يرفع أهله درجات في الدنيا وفي الآخرة، وهو العلم الذي وصّى به الأنبياء والرسل وكتب الله السماوية.‏

نحن كمسلمين نقدم جواباً واقعياً وعملياً. نعم، إن كانت هناك بعض التجارب التي تنسب نفسها إلى الإسلام قد ارتكبت أخطاء قاتلة من هذا النوع، فالذي يتحمل المسؤولية هم أصحاب هذه التجربة، وليس الإسلام ولا نبيه ولا قرآنه الذي من أول آية فيه إلى آخر آية يمتلئ بالمعرفة والعلم والحديث عن الإنسان الذكر والأنثى في هذه الرحلة العظيمة وفي هذا الكدح الطويل إلى الله سبحانه وتعالى.‏ هذا هو الجواب العملي. لا نحتاج إلى التنظير ولا إلى الاستدلال ولا إلى القول بأن الإسلام هو ليس كذلك. القرآن يقول هذا والحديث يقول هذا.‏

* ليس للعلم حدود‏

اليوم نحن نؤكد على الحاجة إلى المعرفة والعلم والتعلم، ليس في مرحلة محددة من عمر الإنسان بل من المهد إلى اللحد. العلم ليس له حدود وليس له نهاية، وعلى الإنسان أن يبقى عاشقاً للعلم ولا يتعاطى مع العلم فقط كوسيلة للعيش. وأعتقد أن هذا من خصوصيات التوجيه الإسلامي. أيضاً قد نتعاطى مع العلم كمصدر للعيش وكمصدر للقوة وكمصدر لمعالجة المشكلات التي يعيشها الناس، ولكن علينا أن ننظر إلى العلم والمعرفة كقيمة إيمانية ذاتية أيضاً ونرتبط معه ارتباطاً عشقياً وحبياً روحياً. هذا ما أكدته ورسخته تعاليم الإسلام. يجب أن لا يكون لطموحاتنا العلمية ولا لأحلامنا العلمية حدود، أياً تكن الصعوبات الاجتماعية والحياتية والمعيشية التي تحيط بنا، وأيّاً تكن الظروف التي عشناها في السابق أو التي يمكن أن نواجهها في المستقبل. العلم والمعرفة بالنسبة لنا، هما مسألة ضرورية لازمة سواء في البعد الإيماني، لأنه “إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ” (فاطر: 28)، أو في البعد الاجتماعي الحضاري لأن الحياة باتت متطلباتها كبيرة وعظيمة وخطيرة جداً، ولأن الاستحقاقات المقبلة أيضاً لا مكان فيها للضعفاء.

والضعفاء ليسوا فقط من لا يملكون المال ولا يملكون السلاح. أول الضعفاء هم الجهلة، هم الذين يعيشون عالة على حضارات الغير، هم الذين لا يستطيعون أن يعالجوا مشاكلهم من خلال قدراتهم واختصاصاتهم وخبراتهم الوطنية والقومية. لذلك، إذا كنا نؤمن بأننا في عالم ينتصر فيه القوي ويُحترم فيه القوي ويبقى فيه القوي يجب أن نبحث ونستكمل ونحصل على كل عناصر القوة وفي مقدمتها العلم في كل اختصاصاته التي تحتاج إليها أمتنا.‏‏

* مسؤولية في مواجهة التحديات:‏

هنا، نتحدث عن مسؤولية إنسانية ودينية وحضارية، عن مسؤولية تجاه أمة، عن مسؤولية في المعركة وليس عن مسؤولية في دائرة الحياة الشخصية. أريد أن أؤكد على المسؤولية العامة لشعوب المنطقة وشعوب عالمنا العربي والإسلامي وخصوصاً على الطلاب الجامعيين. ليس هناك أي مشكلة في أن الفرد عندما يتخرج من الجامعة يعود إلى حياته الشخصية ويفكر ويخطط كيف يؤمّن فرصة عمل وكيف يهيئ منزلاً وعائلة، هذا أمر طبيعي وفطري، هذا أمر مشروع ومستحب أيضاً فلا يُشْعِرْه أحد بعقدة تجاه هذا الموضوع أبداً. الكاد من أجل عياله كالمجاهد في سبيل الله. هذا ديننا وإسلامنا.‏

على الإنسان أن يتحمل هذه المسؤولية، وهذا لا يتنافى على الإطلاق مع المساهمة في التحديات والمسؤوليات الجهادية والسياسية والثورية. الحقيقة أن المرض السائد الآن في الأمة هو أن الكثير من طلاب الجامعات وخريجي الجامعات في عالمنا العربي والإسلامي ينكفئون للاهتمام بحياتهم الشخصية، وبالتالي، لا تجدهم في المواجهات العامة وفي المراحل الخطيرة. اليوم، الطاقة الحقيقية في الأمة هي في أجيال الشباب، في شبابها بالدرجة الأولى، الشباب الذين يملكون الصحة، الشباب الذين يملكون العنفوان، الشباب الذين يملكون الطاقة، الشباب الذين يملكون الأمل، وبالتالي هؤلاء الشباب يتحملون مسؤولية كبيرة. اليوم في مواجهة التحديات، نحن بحاجة إلى حضور كبير لأجيال الشباب ولطلاب الجامعات في ساحات المواجهة والتحدي.‏

وهنا أريد التأكيد على أن هذا العلم وهذه المعرفة تبقى مفيدة للإنسانية إذا بقيت قائمة على قاعدة الإيمان بالله والتسليم له والاعتقاد بعظمته هو وقدرته هو وجبروته هو، وإلا كما قالت الآيات التي تتحدث عن العلم: “علم الإنسان ما لم يعلم”(العلق: 5) إلى أن تقول “إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى” (العلق: 6 ـ 7). إن الذي يتصور أنه وصل إلى مقام من العلم ومقام من القوة ومقام من الغنى لا يدانيه، مقام يستغني به عن الله عز وجل، عن خالق الخلق وعن منزّل العلم ورازق وحافظ هذا الوجود، يصل إلى مرحلة الطغيان والجبروت والألوهية المصطنعة التي في لحظة من اللحظات ينكشف عجزها.‏

على كل حال، ما أردت أن أقوله: العلم يعيش في حضن الإيمان، الإيمان الذي يبقي فكرة الله الحاضر والناظر في هذا الوجود وعلى الحياة حية وقائمة في وجدان الإنسان كل لحظة. الإيمان إلى جانب هذا العلم يحفظ التواضع ويحفظ القيم الأخلاقية ويحفظ روح خدمة البشرية ويمنع من العتو والغلو والعلو والطغيان والتجبر والاستكبار والفساد والإفساد. أما العلم بعيداً عن هذا الإيمان، فهو من أخطر الأسلحة التي هددت البشرية وعرّضت البشرية للمخاطر.. العلم هنا يصبح من أخطر الأسلحة التي تدمر البشرية وتسحق الناس في مشارق الأرض ومغاربها. ولذلك، فإن عظمة الإسلام تكمن في هذه النقطة أيضاً التي تدعو إلى العلم وتحث على العلم وترفع من درجة العلماء، ولكنها تضع العلم بعد الإيمان في حضن الإيمان وفي ظله وفي حاكميته حتى لا تتفلّت هذه القوى العلمية الضخمة وتتحول إلى مأساة.‏

أنا أقول لكم قدر هذه الأمة أن تواجه الأخطار والتحديات وليس خيارها. قدر هذه الأمة أن تقاوم، وقدر هذه الأمة أن تنتصر، لأن الله سبحانه وتعالى وعدها بالنصر، فقط عندما تكون الأمةَ الحيةَ العازمةَ المتوكلةَ الحاضرةَ.‏‏

مقتطف من كلمة لسماحة السيد حسن نصر الله في حفل تخريج طلاب جامعيين.‏

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s