وصية الامام علي(ع) لكميل بن زياد النخعي – ج 2

 
يا كميل المؤمن مرآة المؤمن [لأنه] يتأمله، ويسد فاقته، ويجمل حالته
يا كميل الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، ولا شيء آثر عند كل أخ من أخيه
17
يا كميل إذا لم تحب أخاك فلست أخاه
يا كميل إنما المؤمن من قال بقولنا، فمن تخلف عنا قصر عنا، ومن قصر عنا لم يلحق بنا، ومن لم يكن معنا ففي الدرك الأسفل من النار
يا كميل كل مصدور ينفث فمن نفث إليك منا بأمر أمرك بستره فإياك أن تبديه
18 فليس لك من إبدائه توبة فإذا لم تكن توبة فالمصير إلى لظى 19
يا كميل إذاعة سر آل محمد عليهم السلام لا يقبل الله تعالى منها ولا يحتمل أحدا عليها. يا كميل وما قالوه لك مطلقا فلا تعلمه إلا مؤمناً موفقاً
20
يا كميل لا تعلموا الكافرين من أخبارنا فيزيدوا عليها فيبدو كم بها [إلى] يوم يعاقبون عليها.
يا كميل لا بد لماضيكم من أوبة
21 ولابد لنا فيكم من غلبة
يا كميل سيجمع الله تعالى لكم خير البدء والعاقبة
يا كميل أنتم ممتعون بأعدائكم، تطربون بطربهم، وتشربون بشربهم، وتأكلون بأكلهم، وتدخلون مداخلهم، وربما غلبتم على نعمتهم إي والله على إكراه منهم لذلك، ولكن الله عز وجل ناصركم وخاذلهم، فإذا كان والله يومكم، وظهر صاحبكم لم يأكلوا والله معكم، ولم يردوا مواردكم، ولم يقرعوا أبوابكم، ولم ينالوا نعمتكم أذلة خاسئين أينما ثقفوا اخذوا وقتلوا تقتيلاً

 
يا كميل احمد الله تعالى والمؤمنون على ذلك وعلى كل نعمة
يا كميل قل عند كل شدة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم تكفها. وقل عند كل نعمة الحمد لله تزد منها، وإذا أبطأت الأرزاق عليك فاستغفر الله يوسع عليك فيها. يا كميل إذا وسوس الشيطان في صدرك فقل: أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي وأعوذ بمحمد الرضي من شر ما قدر وقضى، وأعوذ بإلله الناس من شر الجنة والناس أجمعين وسلم تكفي مؤونة إبليس والشياطين معه ولو أنهم كلهم أبالسة مثله
يا كميل إن لهم خدعا وشقاشق
22 وزخازف ووساوس وخيلاء على كل أحد قدر منزلته في الطاعة والمعصية، فبحسب ذلك يستولون عليه بالغلبة
يا كميل لا عدو أعدى منهم ولا ضار أضر بك منهم، أمنيتهم أن تكون معهم غدا إذا اجتثوا في العذاب [الأليم]
23 لا يفتر عنهم بشرره، ولا يقصر عنهم خالدين فيها أبداً
يا كميل سخط الله تعالى محيط بمن لم يحترز منهم باسمه ونبيه وجميع عزائمه وعوذه جل وعز وصلى الله على نبيه وآله وسلم
يا كميل إنهم يخدعونك بأنفسهم، فإذا لم تجبهم مكروا بك وبنفسك بتحسينهم إليك شهواتك
24 وإعطائك أمانيك وإرادتك ويسولون لك، وينسونك، وينهونك ويأمرونك، ويحسنون ظنك بالله عز وجل حتى ترجوه فتغتر بذلك فتعصيه وجزاء العاصي لظى
يا كميل احفظ قول الله عز وجل "الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ"
25 والمسؤول الشيطان والمملي الله تعالى

يا كميل أذكر قول الله تعالى لإبليس لعنه الله "وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا" 26
يا كميل إن إبليس لا يعد عن نفسه، وإنما يعد عن ربه ليحملهم على معصيته فيورطهم
يا كميل إنه يأتي لك بلطف كيده فيأمرك بما يعلم أنك قد ألفته من طاعة لا تدعها فتحسب أن ذلك ملك كريم، وإنما هو شيطان رجيم، فإذا سكنت إليه واطمأننت حملك على العظائم المهلكة التي لا نجاة معها
يا كميل إن له فخاخا ينصبها فاحذر أن يوقعك فيها
27
يا كميل إن الأرض مملوة من فخاخهم فلن ينجو منها إلا من تشبث بنا وقد أعلمك الله أنه لن ينجو منها إلا عباده وعباده أولياؤنا
يا كميل وهو قول الله عز وجل "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" وقوله عز وجل "إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ"
28
يا كميل انج بولايتنا من أن يشركك في مالك وولدك كما امر
يا كميل لا تغتر بأقوام يصلون فيطيلون، ويصومون فيداومون، ويتصدقون فيحسبون أنهم موقوفون
29
يا كميل أقسم بالله لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: إن الشيطان إذا حمل قوما على الفواحش مثل الزنى، وشرب الخمر، والربا، وما أشبه ذلك من الخنى
30 والمأثم حبب إليهم العبادة الشديدة، والخشوع، والركوع، والخضوع والسجود ثم حملهم على ولاية الأئمة الذين يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون. يا كميل إنه مستقر ومستودع 31 واحذر أن تكون من المستودعين
يا كميل إنما تستحق أن تكون مستقرا إذا لزمت الجادة الواضحة التي لا تخرجك إلى عوج ولا تزيلك عن منهج ما حملناك عليه و[ما] هديناك إليه
يا كميل لا رخصة في فرض ولا شدة في نافلة
يا كميل إن الله عز وجل لا يسألك إلا عما فرض وإنما قدمنا عمل النوافل بين أيدينا للأهوال العظام والطامة يوم القيامة
يا كميل إن الواجب لله أعظم من أن تزيله الفرائض والنوافل وجميع الأعمال وصالح الأموال 32
ولكن من تطوع خيرا فهو خير له
يا كميل إن ذنوبك أكثر من حسناتك، وغفلتك أكثر من ذكرك، ونعم الله عليك أكثر من كل عملك

 
يا كميل إنه لا تخلو من نعمة الله عز وجل عندك وعافيته فلا تخل من تحميده وتمجيده، وتسبيحه، وتقديسه، وشكره، وذكره على كل حال
يا كميل لا تكونن من الذين قال الله عز وجل "نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ"
33 ونسيهم إلى الفسق "أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"
يا كميل ليس الشأن أن تصلي وتصوم وتتصدق إنما الشأن أن تكون الصلاة فعلت بقلب نقي وعمل عند الله مرضي وخشوع سوي، وإبقاء للجد فيها
يا كميل عند الركوع والسجود وما بينهما تبتلت العروق والمفاصل حتى تستوفى [ولاء] إلى ما تأتي به من جميع صلواتك
يا كميل انظر فيم تصلي، وعلى ما تصلي، إن لم تكن من وجهه وحله فلا قبول
يا كميل إن اللسان يبوح من القلب
34 والقلب يقوم بالغذاء، فانظر فيما تغذي قلبك وجسمك، فإن لم يكن ذلك حلالا لم يقبل الله تعالى تسبيحك ولا شكرك
يا كميل افهم واعلم أنا لا نرخص في ترك أداء الأمانات لاحد من الخلق فمن روى عني في ذلك رخصة فقد أبطل وأثم وجزاؤه النار بما كذب، أقسم لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لي قبل وفاته بساعة مراراً ثلاثاًً: يا أبا الحسن أد الأمانة إلى البر والفاجر فيما قل وجل حتى في الخيط والمخيط
يا كميل لا غزو إلا مع إمام عادل، ولا نفل
35 إلا مع إمام فاضل
يا كميل أرأيت لو لم يظهر نبي
36 وكان في الأرض مؤمن تقي أكان في دعائه إلى الله مخطئا أو مصيباً بلى والله مخطئا حتى ينصبه الله عز وجل [لذلك] ويؤهله له
يا كميل الدين لله فلا تغترن بأقوال الأمة المخدوعة التي قد ضلت بعد ما اهتدت، وأنكرت وجحدت بعد ما قبلت
يا كميل الدين لله تعالى فلا يقبل الله تعالى من أحد القيام به إلا رسولاً أو نبياً أو وصياً
يا كميل هي نبوة ورسالة وإمامة ولا بعد ذلك إلا متولين، ومتغلبين، وضالين، ومعتدين
يا كميل إن النصارى لم تعطل الله تعالى، ولا اليهود، ولا جحدت موسى ولا عيسى، ولكنهم زادوا ونقصوا وحرفوا وألحدوا فلعنوا ومقتوا ولم يتوبوا ولم يقبلوا
يا كميل "إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ"

يا كميل إن أبانا آدم لم يلد يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا ولا كان ابنه إلا حَنِيفًا مُّسْلِمًا، فلم يقم بالواجب عليه فأداه ذلك إلى أن لم يقبل الله قربانه بل قبل من أخيه فحسده وقتله وهو من المسجونين في الفلق الذين عدتهم اثنا عشر: ستة من الأولين، وستة من الآخرين، والفلق الأسفل من النار ومن بخاره حر جنهم، وحسبك فيما حر جهنم من بخاره
يا كميل نحن والله الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ 
يا كميل إن الله عز وجل كريم حليم عظيم رحيم دلنا على أخلاقه، وأمرنا بالأخذ بها، وحمل الناس عليها فقد أديناها غير مختلفين، وأرسلناها غير منافقين، وصدقناها غير مكذبين، وقبلناها غير مرتابين، لم يكن لنا والله شياطين نوحي إليها، وتوحي إلينا كما وصف الله تعالى قودا ذكرهم الله عز وجل بأسمائهم في كتابه لو قرء كما أنزل "شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"
38
يا كميل الويل لهم فسوف يلقون غيا
يا كميل لست والله متملقا حتى أطاع ولا ممنا حتى أعصى
39 ولا مهانا لطعام الاعراب حتى أنتحل إمرة المؤمنين 40 أو أدعي بها
يا كميل نحن الثقل الأصغر والقرآن الثقل الأكبر، وقد أسمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد جمعهم فنادى الصلاة جامعة يوم كذا وكذا، وأيام سبعة وقت كذا وكذا، فلم يتخلف أحد فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: معاشر الناس إني مؤد عن ربي عز وجل ولا مخبر عن نفسي فمن صدقني فقد صدق الله، ومن صدق الله أثابه الجنان، ومن كذبني كذب الله عز وجل، وكذب الله أعقبه النيران ثم ناداني فصعدت فأقامني دونه ورأسي إلى صدره والحسن والحسين عن يمينه وشماله، ثم قال: معاشر الناس أمرني جبرئيل عن الله عز وجل أنه ربي وربكم أن أعلمكم أن القرآن هو الثقل الأكبر، وأن وصيي هذا وابناي من خلفهم من أصلابهم حاملا وصاياي هم الثقل الأصغر، يشهد الثقل الأكبر للثقل الأصغر ويشهد الثقل الأصغر للثقل الأكبر كل واحد منهما ملازم لصاحبه غير مفارق له حتى يردا إلى الله فيحكم بينهما وبين العباد
يا كميل فإذا كنا كذلك فعلام يتقدمنا من تقدم وتأخر عنا من تأخر؟
يا كميل قد أبلغهم رسول الله صلى الله عليه وآله رسالة ربه ونصح لهم، ولكن لا يحبون الناصحين

 
يا كميل قال رسول الله صلى الله عليه وآله لي قولا والمهاجرين والأنصار متوافرون يوما بعد العصر يوم النصف من شهر رمضان قائم على قدميه فوق منبره: علي [مني] وابناي منه والطيبون مني وأنا منهم وهم الطيبون بعد أمهم، وهم سفينة من ركبها نجى ومن تخلف عنها هوى الناجي في الجنة والهاوي في لظى
يا كميل الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
يا كميل على م يحسدوننا والله أنشأنا قبل أن يعرفونا فتراهم بحسدهم إيانا عن ربنا يزيلونا
يا كميل من لا يسكن الجنة فبشره بعذاب أليم وخزي مقيم وأكبال ومقامع وسلاسل طوال، ومقطعات النيران ومقارنة كل شيطان. الشراب صديد، واللباس حديد، والخزنة فظظة
41 والنار ملتهبة والأبواب موثقة مطبقة ينادون فلا يجابون ويستغيثون فلا يرحمون، نداهم يا مالك ليقض علينا ربك قال: إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون
يا كميل نحن والله الحق الذي قال الله عز وجل: "وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ"
يا كميل ثم ينادون الله تقدست أسماؤه بعد أن يمكثوا أحقابا اجعلنا على الرخاء فيجيبهم "اخْسَؤُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ"
يا كميل فعندها ييئسون من الكره، واشتدت الحسرة، وأيقنوا بالهلكة والمكث جزاء بما كسبوا عذبوا
يا كميل قل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين
يا كميل أنا أحمد الله على توفيقه إياي، والمؤمنين على كل حال
يا كميل إنما حظي من حظي بدينا زائلة مدبرة، فافهم وتحظى بآخرة باقية ثابتة
يا كميل كل يصير إلى الآخرة والذي يرغب فيه منها ثواب الله عز وجل والدرجات العلى من الجنة التي لا يورثها إلا من كان تقيا
يا كميل إن شيءت فقم

 

_______________________________________________________________

(17) آثر أي أقدم وأكرم.
(18) المصدور: الذي يشتكى من صدره. وينفث المصدور أي رمى بالنفاثة. المراد ان من ملا صدره من محبتنا وأمرنا لا يمكن له أن يقيها ولا يبرزها، فإذا أبرزها وأمر بسترها فاسترها. وفى بعض النسخ "فمن نفث إليك منا بأمر فاستره".
(19) اللظى: النار ولهبها.
(20) في المصدر "فلا يعلمه الا مؤمناً موفقاً".
(21) الاوب: الرجوع، آب يؤوب من سفر رجع.
(22) الشقاشق: جمع شقشقة وهي شيء يخرجه البعير من فيه إذا هاج.
(23) اجتثوا أي اقتلعوا، وفى بعض النسخ "جثوا في العذاب".
(24) في بعض النسخ "بتحبيبهم إليك".
(25) محمد "ص": 27.
(26) الاسراء: 66.
(27) الفخاخ جمع فخ وهو آلة الصيد.
(28) النحل: 102.
(29) أي موقوفون ومسئولون عنها فحسب دون ولاية الأئمة.
(30) الخنى: الفحش، والمأثم: الخطيئة.
(31) يعنى به الايمان فإنه مستقر ومستودع.
(32) كذا. ولعل معناه حقوق الله لا يؤدى بهذه الأمور فحسب.
(33) سورة الحشر: 19.
(34) باح إليه بالسر. أظهره. وفى بعض النسخ "ينزح".
(35) النفل – محركة – الغنيمة.
(36) في المصدر "لو أن الله لم يظهر نبياً".
(37) الفلق – محركة – عود يربط حبل من أحد طرفيه إلى الاخر وتجعل رجل المجرم داخل ذلك الحبل وتشدا فيضرب عليهما.
(38) الانعام: 112.
(39) كذا وفى التحف "ولا ممنيا حتى لا اعصى".
(40) انتحل الشعر أو القول ادعاه لنفسه. وانتحل مذهب كذا انتسب إليه.
(41) الفظ: الغليظ، السئ الخلق.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s