رحيل الإمام الخميني قدس سره

بسم الله الرحمن الرحيم


مؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران_4/حزيران/1989م = 14/ خرداد/ 1368 هـ ش


وصال الحبيب وفراق الأحبة:

كلمة وداع يقولها الإمام قدس سره: “بنفس مطمئنة، وقلب هادئ، وروح وادعة، وضمير ملؤه الأمل برحمة الله أستأذن الأخوة والأخوات بالرحيل، ولي حاجةٌ مبـرمةٌ لدعائكم الخير، وأسأل الله الرحمن الرحيم أن يقبل عذري في القصور والتقصير في الخدمة”.

الساعة العاشرة والثلث من ليلة الثلاثاء (13/ خرداد/ 1368هـ. ش = 3/ حزيران/ 1989م) كانت لحظة الانتقال إلى الرفيق الأعلى. توقف عن العمل قلبٌ أحيى ملايين القلوب بنور الله، والمعنويات. وقد صُوِّرت أيام مرضه، والعملية الجراحية، ولحظة لقاء الحق بواسطة آلة تصوير خفية وضعت من قبل عشاق الإمام في المستشفى. وعندما بُثّت الصور عن حالات الإمام المعنوية، وهدوئه في تلك الأيام، أحدث ذلك ثورة في القلوب لا يمكن إدراكها إلا بالتواجد في ذلك المكان. الشفاه كانت دائماً تتحرك بذكر الله. في آخر ليلة من حياته، وبعد خضوعه لعدة عمليات جراحية صعبة وطويلة، في عمر يقارب التسعين عاماً، وفي حال أن عدة إبر مصل كانت موصولةً بيده، كان يصلي صلاة الليل، ويقرأ القرآن. في الساعات الأخيرة كان لديه طمأنينة، وهدوء ملكوتي، وكان يذكر دائماً الشهادة بوحدانية الله ورسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبهذه الحالة ارتفعت روحه إلى الملكوت الأعلى، وترك رحيله في القلوب حرقة لا تبرد، وجرحاً لا يلتئم.

عندما انتشر خبر الرحيل، كأن زلزالاً عظيماً قد حدث. تفجرت الأحزان، وبكت إيران كلها، وكل من عرف اسم الإمام الخميني قدس سره في العالم، وسمع كلامه، بكى وضرب على صدره. لم يكن أي قلم، أو بيان قادراً على وصف آثار الحادثة.

للشعب الإيراني الحقّ وكذا المسلمين الثوريين أن يحدثوا هذه الضجة، فهم قد فقدوا شخصاً أعاد لهم عزتهم التي دِيسَتْ. وقطع أيدي الملوك الظلمة، والمستعمرين الأمريكيين، والغربيين عن أرضهم. وأحيا الإسلام، وأعطى المسلمين العزة، وأقام الجمهورية الإسلامية. ووقف بوجه جميع القوى الإستكبارية.

وقاوم بعد تأسيسه الجمهورية الإسلامية مدة عشر سنوات في مواجهة مئات المؤامرات لإزاحة النظام الإسلامي والانقلاب عليه، وإثارة الاضطرابات، ودبّ الفتن الداخلية فيه، والضغوطات الخارجية عليه. وقاد ثمان سنوات من الدفاع، وكان في الجبهة المقابلة له عدو مدعوم من قبل القوتين العظيمتين الشرقية والغربية من جميع النواحي.

لقد فقد الناس قائدهم المحبوب، ومرجعهم الديني، والمنادي بالإسلام الحقيقي. فعرفوا عند ذلك المعنى الحقيقي للحديث المأثور: “إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء”1.

انتخاب الخليفة الإمام الخامنئي(دام ظله):

في اليوم الرابع عشر من خرداد عام (1368هـ. ش= 4/ حزيران/ 1989م)، اجتمع مجلس الخبراء، وبعد قراءة آية الله السيد علي الخامنئي(دام ظله) وصية الإمام الخميني قدس سره التي طالت مدة ساعتين بدأ البحث، وتبادلت الآراء لتعيين خليفة للإمام، وقائدٍ للثورة الإسلامية.

وبعد عدة ساعات انتخب في النهاية آية الله الخامنئي (رئيس الجمهورية في ذلك الوقت) الذي هو من تلامذة الإمام الخميني قدس سره، ومن الوجوه المضيئة للثورة الإسلامية، ومن قادة ثورة (15/ خرداد/ 1342هـ. ش= 5/ حزيران/ 1963م)، وقد كانت له مواقف مشرّفة في جميع مراحل ثورة الإمام الصعبة والسهلة إلى جانب الأنصار الآخرين.

سنوات مضت، والغربيون، وعملاؤهم المدعومون من قبلهم في داخل البلاد قد يئسوا من هزيمة الإمام، وكانوا يعدون أنفسهم لزمان موت الإمام قدس سره. ولكن وعي الشعب الإيراني، وانتخاب الخبراء السريع للقائد ودعم أبناء وأنصار الإمام، أضاع كل آمال أعداء الثورة.

وموت الإمام قدس سره لم يكن نهاية طريقه، بل في الواقع إن عصر الإمام الخميني قدس سره كان قد بدأ بشكل أوسع مما سبق، فهل يموت الفكر والصلاح والمعنويات الحقيقية؟!

الوداع المليوني:

في يوم، وليل الخامس عشر من خرداد سنة (68 هـ، 5/ حزيران/ 1989م)، اجتمع ملايين الأشخاص من أهل مدينة طهران العاصمة، ومن المعزّين الذين جاؤوا من المدن، والقرى القريبة والبعيدة إلى مصلى طهران الكبير، ليودّعوا لآخر مرة الجسد المطهر لرجلٍ قامت بثورته عماد القيم والكرامة في عصر الظلم والطغيان.

وكان صوت القرآن يسمع من جميع المساجد، والمراكز والإدارات والمنازل. وما أن حل الليل حتى أشعلت آلاف الشموع، على أرض المصلى، والتلال المحيطة.

واصل الناس الليل والنهار متواجدين إلى جانب جسد الإمام الطاهر، وفي أول ساعة من صباح السادس عشر من خرداد (السادس من حزيران) أقام ملايين الأشخاص الصلاة على جسد الإمام بعيون دامعة وبإمامة آية الله العظمى السيد محمد رضا الگلپايگاني قدس سره.

إن ملحمة كثرة الجموع وعظمة وحماس وحضور الناس في يوم دخول الإمام إلى الوطن في (12/ بهمن/ 1357هـ. ش= 1/ شباط/ 1979م)، تكرّرت بشكل أعظم في مراسم تشييع الإمام وهي تعتبر بحق من عجائب التاريخ.

وقد قدرت وسائل الإعلام الرسمية العالمية جموع المستقبلين عام (1357هـ.ش/1979م) بستة ملايين شخص، وجموع الحاضرين في مراسم التشييع بتسعة ملايين شخص.

الإرث الخالد للإمام الخميني قدس سره:

ينبغي على الأمة التي عاشت في ظل بركات ثورة الإمام، ونهلت من معين فكره، واكتسبت العزة بخطه، أن تتحمل إرثه المبارك وفاءً لهذه الشخصية الفريدة والنسمة المباركة من خلال ما يلي:

أولاً- الوفاء لشخصه:

من خلال وسائل عديدة أهمها تركيز البعد العاطفي في العلاقة بيننا وبين شخص الإمام بعد رحيله، ونجعل منه بهذا الرابط امتداداً حقيقياً للإمام الحسينعليه السلام وقضيته، فيبقى خالداً كجده الإمام الحسينعليه السلام بفكره وعطائه وثورته.

ثانياً- الوفاء لخطّه ومدرسته:
لقد تميّز خط الإمام قدس سره بالأصالة الإسلامية، واستقاء الفكرة والمنهج، وتحديد الهدف والطريق، وغيرها من القرآن والسنة خالصاً من كل شائبة، غير متأثر بأي شيء آخر غيرها، وعلى الأسس والقواعد الشرعية في التعامل مع مصادر الشرع والفكر الإسلامي.

مدرسة الإمام كانت وما زالت مدرسة عملية وواقعية مع كل ما تطرحه من أهداف، وآمال كبيرة والاهتمام بهذا التراث، ودراسته ونشره والعمل به يعتبر من أكبر مصاديق الوفاء للإمام والاستمرار على نهجه، فينبغي على الملتزمين بفكره أن يحيوا هذا التراث بشتى السبل، ويحافظوا على شعارات خط الإمام الحية، ومبادئه القويمة في سلوكهم وممارساتهم، ويصرفوا الجهد الأكبر والطاقة العظمى في إطار هذا الأمر المهم.

ثالثاً- الوفاء لأعماله وإنجازاته:
نظام الجمهورية الإسلامية في إيران، يعتبر ثمرة دماء الشهداء، وتضحيات المجاهدين تحت ظلّ توجيهات الإمام الخميني الراحل قدس سره وهو خلاصة عصارة أعمال الإمام وإنجازاته.

ووفاءً لروحه الطاهرة قدس سره ولدماء الشهداء الأبرار ينبغي العمل على الحفاظ على ذلك الانجاز المهم بكل الوسائل الممكنة والمتاحة.

الإمام الخامنئي(دام ظله).. استمرارٌ للمسيرة:

لقد كانت مسألة وجود خليفة للإمام قدس سره يقود مسيرة الثورة إلى أهدافها المنشودة بكل أمانة وإخلاص من مصاديق بُعد النظر، والفكر الاستراتيجي الذي كان يتحلّى به الإمام الخميني قدس سره، فعمل على تخريج عدد كبير من الفقهاء والمفكرين من مدرسته، ليؤدوا رسالتهم ودورهم المبارك، وقد أثبتت الأيام أنهم بحق صمام أمان هذه الأمة، وروّاد طلائعها وحصون مبادئها، يشغل الواحد منهم مساحة كبيرة من وعي الأمة، ويحتضن شريحة واسعة من أبنائها.

ومن أبرز هذه الفئة المباركة، سماحة المرجع الديني الإمام السيد علي الخامنئي(دام ظله) الذي تصدى بانتخاب أهل الخبرة لمقام القيادة والولاية الشرعية، وأصبحت مهمة الدفاع عن الجمهورية الإسلامية منوطةً به، وموكولة إلى قيادته، وحكمته في إدارة الثورة والدولة والأمة.

ولذلك ينبغي على السائرين على خط الإمام قدس سره أن يسخّروا جميع إمكانياتهم وقدراتهم، ويضعوها تحت تصرفه حتى يتمكن من النجاح في مهمته الخطيرة.

وليست هذه المسألة اختيارية أو اعتباطية، فإن الإيمان بولاية الفقيه يجعل من الائتمام بالقائد الإمام الخامنئي (دام عزه) واجباً على كل مسلم غيور.

فالأمة أحوج ما تكون الآن إلى قيادة ثابتة للفقيه الولي الذي حدد إمام الأمة قدس سره طريقة انتخابه وتعيينه، إذ أوكل هذا الأمر المهم إلى مجلس الخبراء، الذي ضم أربعة وسبعين مجتهداً من أهل الخبرة، اجتمعت كلمتهم بأغلبية ساحقة على تأييد سماحة آية الله العظمى الإمام الخامنئي(دام ظله) كفقيه ولي.

وقد أثبت الإمام الخامنئي(دام ظله) بقيادته الحكيمة، وحنكته السياسية وقدرته الإدارية، وبمنهجه الشامل، بقاء شخص الإمام قدس سره بشخصه وفكره وليس هذا بغريب فلقد كان (دام ظله) في طول مسيرته التلميذ الوفي لأستاذه الإمام قدس سره عاملاً بآرائه مقتدياً بسيرته ناهجاً خطه، وقد عاهد ربه والأمة، بعد تنصيبه في هذا المقام، على البقاء أميناً على هذه المبادئ.


1- مستدرك الوسائل 9: 51.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s