موقف المأمون العباسي من الإمام الجواد عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

كان المأمون يهتم بجمع العلماء، وأرباب الكلام، من أهل الفرق والملل، ليناظروا الإمام الرضا عليه السلام، على أمل أن يقطعه واحد منهم، ولو في مسألة واحدة..

وقد كثرت هذه المناظرات وزادت، ولكن حصادها كان هو إظهار عظمة الإمام، والخيبة والخزي لأعدائه، والمأمون منهم، فندم المأمون حيث لا ينفعه الندم، ثم اقترف جريمته النكراء بحق الإمام الرضا عليه السلام، حسبما هو معروف ومشهور

والآن.. فلماذا لا يجرب هذا الأسلوب مرة أخرى مع ولده الجواد، الذي ظن: أنه بسبب صغر سنه، لا خبرة له بأساليب الكلام، ولا معرفة له بدقائق الحقائق، ولم تكفه إجابة الإمام على سؤاله عما صاده البازي الأشهب.. فلعلها كانت رمية من غير رام.. ولعل.. ولعل

وتجربة واحدة، لو أحكم تدبيرها، ووضعت الخطة لها بدقة وعناية، فلربما تنهي هذا الأمر، وتضع حداً لجميع المشاكل المحتملة، وتقضي على مصدر كل المتاعب والأخطار، وإلى الأبد
وإن لم تنجح هذه التجربة، بتحقيق هذا الهدف الكبير، فإن بإمكانها أن تحقق قسطاً هاماً من التقدم في هذا السبيل

وخاض المأمون غمار هذا الحدث، بكل ما لديه من حنكة ودهاء، ورصد لها كل ما يملك من رصيد معنوي وسياسي، ونفذها بعناية فائقة، ودقة لا تجارى

ولكن هل استطاع المأمون أن يؤمِّن حتى الحد الأدنى من النجاح في هذا المجال؟

هذا ما سوف يتضح لنا فيما يلي من صفحات

الزواج.. المؤامرة

كان المأمون العباسي، قد زوج ابنته أم الفضل من الإمام الجواد صلوات الله وسلامه عليه، حينما عقد لأبيه الرضا عليه السلام بولاية العهد بعده1، أو أنه كان قد سماها له آنئذٍ، على أقل تقدير2

ربما من أجل تعمية مقاصده من البيعة لأبيه على الناس، ولمقاصد أخرى، أشرنا إلى جانب منها في مجال آخر3

ثم إنه حينما استشهد أبوه، استقدمه إلى بغداد، وبدأ معه سلسلة من التجاذبات كان أولها قصة البازي الأشهب، التي تقدمت، ثم استجابته بيسر وسهولة لطلب بني أبيه العباسيين منه: أن لا يسلم إليه زوجته، إلا بعد امتحانه بالمسائل الصعبة، التي يلقيها عليه يحيى بن أكثم.. بل إنه هو الذي اقترح عليهم ذلك، كما سنرى

ولم يكن العباسيون ليجرؤوا على هذا الطلب منه، لولا أنه هو الذي طرحه عليهم، وأغراهم به

ونحن نورد هنا ملخصاً عن هذا الحدث، فنقول

الحدث.. في نصه التاريخي

يقول النص التاريخي: إنه لما عزم المأمون على أن يزوج ابنته أم الفضل من أبي جعفر عليه السلام، قال له العباسيون: “أتزوج ابنتك، وقرة عينك صبياً لم يتفقه في دين الله، ولا يعرف حلاله من حرامه، ولا فرضاً من سنته؟- ولأبي جعفر إذ ذاك تسع سنين- فلو صبرت حتى يتأدب، ويقرأ القرآن، ويعرف الحلال من الحرام؟!”

فقال المأمون: “إنه لأفقه منكم، وأعلم بالله ورسوله، وسنته، وأحكامه، وأقرأ لكتاب الله منكم، وأعلم بمحكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وظاهره وباطنه، وخاصه وعامه، وتنزيله وتأويله منكم، فاسألوه، فإن كان الأمر كما وصفتم قبلت منكم”

وفي نص آخر قال لهم: “ويحكم، إني أعرف بهذا الفتى منكم”

إلى أن قال: “فإن شئتم، فامتحنوا أبا جعفر بما يتبين لكم به ما وصفت من حاله..”

وفي نص ثالث، بعد أن ذكروا: أنه صبي صغير السن، قال: “كأنكم تشكون في قولي، إن شئتم فاختبروه، أو ادعوا من يختبره، ثم بعد ذلك لوموا فيه، أو اعذروا”

قالوا: وتتركنا وذلك؟
قال: نعم
قالوا: “فيكون ذلك بين يديك، تترك من يسأله عن شيء من أمور الشريعة، فإن أصاب لم يكن في أمره لنا اعتراض، وظهر للخاصة والعامة سديد رأي أمير المؤمنين. وإن عجز عن ذلك كفينا خطبه، ولم يكن لأمير المؤمنين عذر في ذلك”
فقال لهم المأمون: “شأنكم وذاك، متى أردتم..”

ثم تذكر الروايات: إطماعهم يحيى بن أكثم في هدايا، على أن يحتال على أبي جعفر عليه السلام بمسألة في الفقه، لا يدري ما الجواب فيها

ثم تذكر مساءلته إياه بحضور: “خواص الدولة، وأعيانها، من أمرائها، وحجابها، وقوادها”

ثم تذكر جوابه عليه الصلاة والسلام بذلك الجواب الدقيق والشامل، الذي لم يكن يتوقعه أحد حتى السائل نفسه، حتى ذهل يحيى بن أكثم وارتبك، وتحير في أمره

تقول الرواية- والنص هنا لكتاب الإحتجاج- ما يلي: “وخرج أبو جعفر عليه السلام، وهو ابن تسع سنين وأشهر، فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، فقام الناس في مراتبهم، والمأمون في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام

فقال يحيى بن أكثم للمأمون: تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر عن مسألة؟
فقال المأمون: استأذنه في ذلك
فأقبل عليه يحيى بن أكثم، فقال: أتأذن لي- جعلت فداك- في مسألة؟
فقال أبو جعفر عليه السلام: سل إن شئت
فقال يحيى: ما تقول- جعلت فداك- في مُحْرِمٍ قتل صيداً؟
فقال أبو جعفر عليه السلام
قتله في حِلّ أو حَرَمٍ؟
عالماً كان المحرم أو جاهلاً؟
قتله عمداً أو خطأ؟
حراً كان المحرم أو عبداً؟
صغيراً كان أو كبيراً؟
مبتدئاً بالقتل أو معيداً؟
من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟
من صغار الصيد أم من كباره؟
مصراً على ما فعل أو نادماً؟
في الليل كان قتله أم بالنهار؟
محرماً كان بالعمرة إذ قتله، أو بالحج كان محرماً؟

فتحير يحيى بن أكثم، وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف جماعة أهل المجلس عجزه

فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة، والتوفيق لي في الرأي، ثم نظر إلى أهل بيته، فقال لهم: أعرفتم الآن ما كنتم تنكرونه؟

ثم أقبل إلى أبي جعفر، فقال له: أتخطب يا أبا جعفر؟

ثم تذكر الرواية خطبته عليه السلام، وتزويج المأمون إياه

إلى أن قالت الرواية: فلما تفرق الناس، وبقي من الخاصة من بقي، قال المأمون لأبي جعفر عليه السلام، جعلت فداك: إن رأيت أن تذكر الفقه فيما فصلته من وجوه قتل المحرم، لنعلمه، ونستفيده

فقال أبو جعفر عليه السلام: نعم، إن المحرم إذا قتل صيداً في الحل، وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها، فعليه شاة، وإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً

وإذا قتل فرخاً في الحل: فعليه حمل قد فطم من اللبن، فإذا قتله في الحرم، فعليه الحمل وقيمة الفرخ

فإذا كان من الوحش، وكان حمار وحش، فعليه بقرة، وإن كان نعامة فعليه بدنة، وإن كان ظبياً فعليه شاة، وإن كان قتل شيئاً من ذلك في الحرم، فعليه الجزاء مضاعفاً: هدياً بالغ الكعبة

وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه الهدي فيه، وكان إحرامه للحج، نحره بمنى، وإن كان بعمرة، نحره بمكة

وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء، وفي العمد عليه المأثم، وهو موضوع عنه في الخطأ

والكفارة على الحر في نفسه، وعلى السيد في عبده، والصغير لا كفارة عليه. وهي على الكبير واجبة، والنادم يسقط ندمه عنه عقاب الآخرة، والمصر يجب عليه عقاب الآخرة

فقال المأمون: أحسنت يا أبا جعفر، أحسن الله إليك، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك..
فقال أبو جعفر عليه السلام ليحيى: أسألك؟
قال: ذلك إليك جعلت فداك، فإن عرفت جواب ما تسألني عنه، وإلا استفدته منك

فقال أبو جعفر عليه السلام: أخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار، فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان وقت انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة؟ وبماذا حلت له، وحرمت عليه؟

فقال له يحيى بن أكثم: لا والله، لا أهتدي إلى جواب هذا السؤال، ولا أعرف الوجه فيه، فإن رأيت أن تفيدنا
فقال أبو جعفر عليه السلام: هذه أمة لرجل من الناس، نظر إليها أجنبي في أول النهار، فكان نظره إليها حراماً عليه، فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له، فلما كان عند الظهر أعتقها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر تزوجها فحلت له، فلما كان وقت المغرب ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العشاء الآخرة كفَّر عن الظهار فحلت له، فلما كان نصف الليل طلقها طلقة واحدة، فحرمت عليه، فلما كان عند الفجر راجعها فحلت له

فقال المأمون: ويحكم، أما علمتم: أن أهل هذا البيت ليسوا خلقاً من هذا الخلق؟

أما علمتم: أن رسول الله “صلى الله عليه وآله”، افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام، وحكم له به، ولم يدع أحداً في سنِّه غيره، وبايع الحسن والحسين، وهما صبيان، ولم يبايع غيرهما طفلين..
أَوَلا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم، وأنهم ذرية بعضها من بعض، يجري لآخرهم ما يجري لأولهم؟
قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين..
وتقول الرواية أخيراً: إن المأمون التفت إلى أهل بيته، الذين أنكروا تزويجه، فقال: “هل فيكم من يجيب هذا الجواب”؟! قالوا: لا والله، ولا القاضي يا أمير المؤمنين، كنت أعلم به منا. ثم تذكر الرواية: أنه قد زوَّجه ابنته في نفس ذلك المجلس4

أما انتقالها إليه، فكان في بلدة تكريت في سنة خمس عشرة ومئتين للهجرة، فقد قال أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر الكاتب: “خرج أمير المؤمنين من الشماسية إلى البردان، يوم الخميس، صلاة الظهر، لست بقين من المحرم، سنة خمس عشرة ومئتين، وهو اليوم الرابع والعشرين من آذار. ثم سار حتى أتى تكريت

وفيها قدم محمد بن علي بن موسى، بن جعفر، بن محمد بن علي، بن الحسين بن علي بن أبي طالب من المدينة، في صفر ليلة الجمعة

فخرج من بغداد حتى لقي أمير المؤمنين بتكريت، فأجازه، وأمره أن يدخل عليه امرأته، ابنة أمير المؤمنين، فأدخلت عليه في دار أحمد بن يوسف، التي على شاطئ دجلة، فأقام بها، فلما كان أيام الحج خرج بأهله وعياله، حتى أتى مكة، ثم أتى منزله بالمدينة، فأقام به..”5

وقفات مع الحدث

لقد كان المأمون عارفاً بمقام الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبأن الحق معهم ولهم، وأنهم هم أئمة الهدى، والعروة الوثقى، والحجة على أهل الدنيا

وكان يعلم أيضاً أنهم صلوات الله وسلامه عليهم أعلم أهل الأرض، وأنهم أتقى الناس، وأعبدهم، وأكملهم، وأفضلهم

ولكنه مع كل ذلك.. كان يجهد لإطفاء نور الحق، وطمس معالمه وآثاره، ما وجد إلى ذلك سبيلاً.. وذلك طمعاً منه بالدنيا، ورغبة في ظلها الزائل، ولذتها العاجلة

ولكن المأمون الذي كان كالغريق الذي يتشبث بالطحلب، قد ثار لديه احتمال أن لا يكون عليه السلام وهو بهذا السن، قد تمكن من تلقي العلوم والمعارف من أبيه، الذي عاش معه فترة قصيرة، ولا سمع منه الكثير من الأمور التوقيفية، التي يكون العلم بها منحصراً بالنقل والتعليم، فاختار السؤال عن هذا السنخ من المعارف دون سواه، لأنه عليه السلام فرض قدرته رغم صغر سنه على الإجابة على الأمور العقلية، مهما كانت عميقة ومعقدة، فإنه لا يحتمل أن يجيب على ما لا مجال للعلم به إلا عن طريق التعليم خصوصاً في المجال الفقهي، وفي مسألة معقدة، قلما تخطر على البال

* الحياة السياسية للإمام الجواد عليه السلام_العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي-بتصرف


1- البداية والنهاية ج10 ص269 وتاريخ الطبري ط الإستقامة ج7 ص149 ومروج الذهب ج3 ص441 وعيون أخبار الرضا ج2 ص147 والبحار ج49 ص132 وتذكرة الخواص ص352 عن الصولي وغيره.
2- أعيان الشيعة ج2 ص33.
3- راجع كتابنا: الحياة السياسية للإمام الرضا عليه السلام ص209 ـ 210.
4- راجع فيما تقدم: الإتحاف بحب الأشراف ص171 ـ 172 وتحف العقول ص451 ـ 453 والإختصاص ص98 ـ 101 والإحتجاج ج2 ص240 ـ 245 وكشف الغمة ج3 ص144 والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص381 وجلاء العيون ج3 ص108 والصواعق المحرقة ص204 ونور الأبصار ص161 ودلائل الإمامة ص206 ـ 208 وروضة الواعظين ص238، فما بعدها، والإرشاد للمفيد ص359 و360 فما بعدها وإعلام الورى ص351 فما بعدها والبحار ج50 ص75 عن الإحتجاج، وعن تفسير القمي، والإمام محمد الجواد، لمحمد علي دخيل ص37 ـ 41 وأعيان الشيعة ج2 ص33 ـ 34. والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص253 ـ 256.
5- بغداد ص142 ـ 143.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s