دور النفط في تنمية وتعزيز الأمن القومي

بقلم: بيجن نامدار زنكنه ـ وزير نفط سابق 
صحيفة إطلاعات الإيرانية

المرة الأولى التي تم فيها الحديث عن أثر النفط على التنمية الوطنية وفي قضية تأميم صناعة النفط كانت عام 1941م. وبعد الحرب العالمية الثانية وقعت أحداث في بلدان العالم الثالث التي شهدت نهضة نفط ضد الحكم والسيطرة البريطانية على موارد النفط العالمي غير الشيوعية وكانت إيران في طليعتها وأخذت شكل “ثورة تأميم صناعة النفط”. استمرت هذه الموجة وكان الهدف الأساسي الذي كانوا قد طرحوه، هو الإجابة عن السؤال التالي: ماذا نفعل حتى يكون النفط ذا أثر في تحسين وضع الحياة وسعادة الشعب الإيراني؟ أو عن شيء نسميه اليوم ” التنمية”، وقد جاء في الخطة التي كتبها نواب المجلس آنذاك كالدكتور مصدق(1)وآية الله كاشاني(2) لـتأميم النفط أنه “من أجل سعادة الشعب الإيراني نقترح إعلان تأميم صناعة النفط في عموم البلاد بلا استثناء”

ثلاث موجات

في حال أننا بحثنا سير التطورات منذ العام 1950 ميلاديا، فإننا سنجد ثلاث موجات من حيث العلاقات بين المنتجين والمستهلكين للنفط، أولى هذه الموجات هي موجة تأميم صناعة النفط في بلدان العالم الثالث بهدف تقوية السيادة الوطنية وتخفيف القوة والسلطة البريطانية ونقل ملكيتها إليهم، ولم يكن ثمة معضلة سوى زيادة عائد النفط بهدف سعادة الشعوب وقد استمرت هذه الموجة كثيراً بحيث إنه حتى أواخر عام 1970 ميلاديا لم يكن أمامنا أي بلد لم يكن قد أمم نفطه، وكان التأميم عبارة عن تيار سياسي ذي صدامات شديدة مع البلدان المستهلكة، بمعنى أنها كانت تحمل في ذاتها التقابل والتضاد

الموجة الثانية ظهرت مع تأسيس منظمة أوبك عام 1960 وكان هدفها أخذ النصيب العادل من عائد النفط، وعلى الرغم أنه وضع أساس هذا العمل مع أوبك ولكن عام 1970م بلغت أوجها وقد نجحت أوبك في ذلك عندما أذعنت الشركات النفطية الكبيرة التي كانت ناشطة في عموم البلدان النفطية للبلدان العالم الثالث غير الاشتراكية لطلبها في زيادة سعر النفط وقد تم هذا الأمر على مرحلتين، وفي إحدى المرات تم إيصال سعر النفط من ما دون دولارين إلى 10 دولارات أميركية وذلك بفضل إستراتيجية كل من إيران والمملكة العربية السعودية، وكان إنجازاً كبيراً جوبه برفض ومقاومة كل من الأمريكيين والأوروبيين ونتيجتها تأسست الوكالة الدولية للطاقة (IEA‎) التي وبحسب قول كيسنجر حالت دون طلب منظمة أوبك المتزايد للنفط

يعني أننا نرى أن المستهلكين والمنتجين وضعوا في تصادم مع بعضهم وكل منهما كان يريد أن يزيد من حصته من النفط. إني أذكر أن سعر النفط حدد بناءً على التفاوض بين المنتجين والمستهلكين الكبار للنفط والشركات النفطية الكبيرة، بمعنى أن النفط لم يكن بضاعة تعرض في السوق بل إن سعره يحدد طبقاً للتباحث والتفاوض وعلى أساسه تتجه الحصة إلى خزانة الشركات النفطية. على الرغم من أن الصراع في هذه الموجة لم يكن سبباً في إراقة الدماء إلا أنه كان ثمة نزاع واختلاف جدي، حصلت فيه أوبك على نجاح كبير حتى أن الوكالة الدولية للطاقة (IEA) تأسست ضدها بغية كسر ذراع أوبك.

الموجة الثالثة ظهرت عام 1990م وقد طُرحت مع مرور الأيام كنموذج سائد. هذه الموجة طرحت في وقت كان فيه النفط كالبضاعة المتعارف عليها والمتواجدة في السوق حيث يحدد سعره في كل لحظة بناءً على العرض والطلب، وأهم ما في الأمر أن نصيب الشركات النفطية الكبيرة التي أخذت على عاتقها عام 1950 أكثر من 90% من الإنتاج العالمي في البلدان غير شيوعية، بلغ 6/5 في المئة بمعنى أن حصتها أو نصيبها في إنتاج النفط والغاز في العالم تغير. في حين أنه إلى فترة من الزمن كانت كل سفن نقل النفط البيع والمصافي والتوزيع تحت تصرفها وفي الواقع لم يكن لديهم ملكية على منابع النفط

أمن العرض

إن المستهلك لا يسعى فقط إلى التحكم بالسعر كما هي الحال في الموجات الأولى ولا أن يتولى إدارة الصناعة النفطية، بل إن المأمول في هذا النموذج الجديد كان فقط “أمن العرض”، والسعر أيضاً لا يختلف عنه كثيراً وإنما سعر السوق هو مبتغاه، يعني حتى إنهم يرون السعر المرتفع بشكل إيجابي لأن السعر المرتفع كان فقط أداة للإدارة العالمية لقطاع الطاقة، وقد أدى السعر المرتفع إلى أن يدخل النفط إلى السوق بسعر أغلى وبالنسبة لهم أصبح استثمار وازداد منتجوه ونتيجة لذلك خفت العلاقة بنفط الخليج “الفارسي”. وفي عام 1960 أنجز 60% من إنتاج النفط من قبل أوبك وإلى أن وصلت هذه الكمية في القرن الواحد والعشرين إلى 4% وفي الحقيقة أنه رغم أن الخليج “الفارسي” يمتلك 60% من نفط العالم فإنه ينتج بصعوبة 30% من نفط العالم

سعادة الشعوب

أما النقطة المهمة فتتمثل في الاعتقاد السائد حينها أن سعادة الشعوب يمكن أن تتحقق في حال تم تأميم صناعة النفط وذلك بعد المرور على ثلاث موجات وبعد أن وصل النفط إلى سعر لا يصدق 100 دولار أمريكي، وقد طرحت أسئلة كثيرة في بلدان العالم الثالث في هذا الإطار، وكان الدكتور مسعود نيلي(3) قد أجرى قبل عدة سنوات بحثاً شخّص على أساسه وضع الدخل السنوي لأكثر الدول النفطية (حتى السعودية) التي لم تشهد تغيراً جدياً طيلة السنوات العشرين الماضية وحتى الاقتصاديات المفتقرة إلى النفط وليس لديها غير إنتاج وحيد كان لديها معدل نمو اقتصادي مرتفعا، حتى معدل نمو الدول ذات الإنتاج الوحيد وغير النفطية أيضاً كانت قد انتعشت وتحسنت

في الموجتين الأولى والثانية، كان النخبويون يعتقدون أن المستهلكين فقط هم سبب عدم سعادة ورقي الشعوب، ولكن عندما كان المستهلك يؤكد بأنه لا مشكلة لديه في السعر وإمكانية رفعه، فهل هذا يعني إنه سنبقى نحملهم المسؤولية ونلقي باللائمة عليهم أم إن السياسات الداخلية أيضاً كانت مؤثرة في عدم النمو والتنمية؟ وهل مع وجود النفط يمكن أن نربط النفط بأمل إصلاح الوضع الاقتصادي؟ وهل النفط شر مطلق أم إنه يمكن أن نتوقع منه الخير أيضاً؟ وهل بالإمكان أيضاً الخروج من هذه الحالة؟ هل يستطيع النفط أن يساعد في إيجاد اقتصاد غير نفطي؟

ميزات الدول النفطية

قبل المتابعة في البحث نوَد الإشارة إلى عدة ميزات تتمتع بها الدول النفطية للعالم الثالث ومن ضمنها إيران، وأول ميزة هي أن حصة مرتفعة جداً من إنتاج النفط هي في إنتاجها المحلي الإجمالي. عندما كان هذا الرقم في إيران حوالي 50%، بالطبع لا يمكن بعد الآن أن نثق كثيراً بالأرقام! ميزة أخرى هي أن حصة مرتفعة جداً من الصادرات النفطية الخام ونوع الصادرات من النفط الخام هي في العائد التجاري الخارجي لإيران لأن النفط والسوائل و LPG و… كلها متساوية من ناحية التأثير في الاقتصاد وكميتها تبلغ قرابة 70-75%

الميزة الثالثة، هي أن حصة مرتفعة جداً من العائدات النفطية هي لتأمين مدخولات الميزانية العامة التي ازدادت في السبع السنوات الأخيرة في حين أنه في السنوات الأخيرة انخفضت الإصلاحات الجارية. حتى لا يمكن اليوم إغلاق الميزانية بـ 70 دولارا. في حين أننا نهيل أموال النفط لمصلحة احتياطي القطع الأجنبي بـ 40 دولارا، كما يوجد في إيران توليفة رابعة لا توجد في كل البلدان وهي تقديم مساعدات وإعانات داخلية للاستفادة من المنتجات النفطية، وهي الآن مشكلة حاضرة مع تغير في شكلها. ثلاث ميزات، الأولى التي تم ذكرها موجودة في كل البلدان النفطية وتركت تأثيراً في مجالات مختلفة من الحياة الاجتماعية. وهنا نتساءل، هل بمساعدة النفط يمكن الخروج من هذا الوضع الاقتصادي؟ أبسط ما يمكن القيام به هو أن نجعل إنتاج النفط معدوماً، لأنه يمكن حل كل من المشكلات الثلاث، لكن الناس سيخرجون إلى الشوارع ولهذا لا يمكن للحكومة أن تطبق ذلك. ولو أن أحداً ما طرح هذا الشعار فإنه سيتم تنفيذ عكس ذلك

لو أننا أردنا أن نخفض حصة النفط في الناتج القومي الإجمالي وفي نفس الوقت لا نريد أن نخفف من إنتاج النفط، فإنه ينبغي علينا أن نتمكن من زيادة الناتج القومي الإجمالي بشكل سريع. المشكلة التالية هي حصة النفط من دخل الحكومة في الميزانية العامة التي يتطلب حلها فرض الضرائب التي تؤدي إلى استياء الشعب ولا تترك أثراً في الاقتصاد، إلا أن طريق الحل الحقيقي هو أن نعظم الاقتصاد وفي هذه الحالة يزداد دخول الضرائب. وإذا أردنا أن نحل المشكلة الثالثة يجب أن نضيف الصادرات غير النفطية التي يجب أن تتم في هذا الطريق باستثمار إنتاجي مع نمو سريع. وهذا الاستثمار يجب أن يكون سبباً في إيجاد قيمة مضافة بعد تنفيذها، مثل تشييد مراكز خدمية كالملاعب و… في البلد هو نوع واحد من الاستثمار الذي إلى جانبه تجرى أعمال خدمية، ولكن عندما نصل إلى نتيجة فإنه لا يكون ثمة إنتاج لذلك يجب أن ننتبه إلى ضرورة انجاز استثمار إنتاجي في البلد لا استثمار غير إنتاجي

أساساً المنفعة في البلد، سواء للاستثمارات الراهنة أو للاستثمارات المستقبلية يجب أن تزداد وفي حال أن هذا الأمر تم وحتى دون استثمار جديد فإنه سيزداد الناتج القومي الإجمالي. ومن ناحية أخرى في هذه الاستثمارات يجب أن نولي الأهمية للإنتاج المحلي ذي الاتجاه الخارجي والمتمتع بالمنافسة في المجال الإقليمي والدولي، لأننا نرغب بأن يكون لدينا صادرات غير نفطية وهذا التصور خاطئ والبعض يحمله بأن الصادرات هي الإناء الطافح للإنتاج الداخلي، بل إن الصادرات يجب أن تكون مستقلة وذات اتجاه خارجي

الاستثمار الإنتاجي

إذا أردنا أن يكون لدينا استثمار إنتاجي بنمو سريع فإن أول الأمور التي ينبغي إنجازها هي أن هذه نهيئ الموارد المحلية بحدها الأعظمي، وفي هذا المجال ننظم موارد القطاع الخاص وأسواق الإنتاج والرأسمال وصندوق احتياطي القطع الأجنبي. وكان تأسيس هذا الصندوق أمراً مهماً لأنه وضع إلى جانب إقرار رؤية خطة العشرين سنة كعاملين استراتيجيين مبرمجين في عهد الإصلاحات وفي تاريخنا قلما تم إنجاز مثل هذه الأعمال

الأمر الثاني هو أن الاستثمار السريع يمكّننا من استقطاب الموارد الأجنبية بشكل رأس مال وأيضا بشكل تمویل وإذا أردنا أن يكون لدينا استثمار ذو اتجاه خارجي فإنه يجب الانتباه إلى المزايا النسبية وأن يكون لدينا تقنيات متطورة، فأثر التقنية أو في النوعية هو عال، أو أن السعر الأكثر ملاءمة أو كلاهما، والاستفادة منه أيضاً أمر مهم وليس اختياريا. يجب أن نصل إلى الأسواق المصدرة بسهولة، لا يمكن نسيء إلى الجميع ولكن يتوقع أن يشتروا منا أيضاً

في غضون ذلك يجب أن ننجز أمورا في الأبعاد السياسية والثقافية والاجتماعية، فأهم الأمور التي يمكن إنجازها في البعد الثقافي هي الاهتمام بالتنمية الاقتصادية والعلمية والتقنية والاهتمام بإتقان العمل والإبداع والدافع الوطني للتنمية ورفعها کشعار وطني، وهذا الشعار الوطني كان مُلمحا فترة الإصلاحات، والذي أعلمت به حكومة المقام المحترم القائدة، ولكن برأيي لا يمكن أن يكون بهذا الاهتمام والانتباه، حتى في الانتخابات الأخيرة لم يكن تحقيق هذا البرنامج إلا جزءا من الشعارات. يقولون إنه في اليابان يعلمون أولادهم أن هذا التصور خطير من حيث الاعتقاد بأننا بلد غني. بل يجب أن نتصور أننا بلد فقير ويجب أن نعمل من اجل نمونا، ولكن في إيران فإن الأمر على العكس تماماً، حيث إننا نقول بأنه لدينا في بلدنا كل شيء، في بلدنا لا ينبغي أن نعمل أي شيء وإنما يجب أن تأتي دولة صحيحة حتى تقسم هذه الثروة

ومن ناحية البنى السياسية والاجتماعية أيضاً يجب تهيئة الأمن الاقتصادي وجو العمل التي تشمل الأمن القضائي والاجتماعي والثقافي والتنمية السياسية ـ الاجتماعية، وأما في مجال السياسة الخارجية يجب ألا يخرج فقط من مرحلة التوتر، بل أن يلج مرحلة المحبة والتعاون الطويل الأمد بقصد الوصول إلى الموارد والرساميل والأسواق الخارجية وذلك لبيع منتجات الاستثمار الإنتاجي والوصول إلى التقنية المتطورة من الخارج

كان السيد محمد خاتمي يطرح خلال فترة الإصلاحات أنه يجب أن ننظر إلى النفط كرأسمال “تحت أرضي” غير قابل للتجديد حتى يتغير إلى رأسمال يومي متجدد، ولم يكن لدينا نظرة ناتجة منها ويجب أن تبنى السياسات الاقتصادية على المنافسة وتشجيع الأعمال المتقنة لتقوية القطاع الخاص الحقيقي ولعب دور مهم بواسطة القطاع الخاص في الاقتصاد، وإلغاء العقبات وخفض جدي للعقبات الاقتصادية والأهم من هذا أن تدخل الحكومة في السوق وأن تعتمد على خصائص البلد والاتجاه نحو الخارج مع الاقتصاد العالمي لأن الاقتصاد ذا النزعة الداخلية والخارجية مهم جداً، لا يمكن لأي بلد ناجح في العالم المبني على أساس إبدال المستوردات أن يكون اقتصادا ناجحا وحيا وأن يتقدم ويسير في كل مكان بناءً على التجارة الإيجابية

من ناحية البنى الفيزيائية ينبغي التحدث مجدداً عن موقع الدولة وأن نتجه نحو البنية التحتية الفيزيائية للنهوض الاقتصادي. المسألة الأخرى، هي ارتقاء الموارد الإنسانية مع إصلاح التعليم بقصد تسريع التعليم مع الاعتماد على الانجازات الداخلية والعلمية الإنسانية

وبناءً على ما قلته فإنه يفترض على الاقتصاد الإيراني أن يتقدم بمعدل نمو اقتصادي سريع، وقد أُعدت موارد عظيمة لهذا الأمر (سواء موارد محلية أو سواء لاستقطاب الموارد الأجنبية والوصول إلى تقنيات متطورة) وأصبح الاقتصاد ذا نزعة خارجية وذا تعامل مع الاقتصاد العالمي، وليس مجرد جزيرة مغلقة في المحيط الاقتصادي العالمي. كما يجب أن يتم وضع تنمية وتنويع الصادرات على جدول الأعمال، ولا بد من تأمين جو المنافسة الذي يستحوذ عليه القطاع الخاص ليصل بالعقبات والعوائق الحكومية إلى حدها الأدنى

وطبقاً لهذه الرؤية فإنه يتوجب على إيران أن تكون الدولة الأولى في المنطقة من الناحية العلمية والاقتصادية عام 2025 ميلاديا، وأعتقد أن النفط ولكونه كان وما يزال أكثر القطاعات الاقتصادية الإيرانية اتجاهاً نحو الخارج فإن لديه قدرة أكثر على استقطاب الموارد والوصول أكثر إلى التقنيات المتقدمة مقارنة بباقي القطاعات. ولكونه محرك البداية للوصول إلى هذا الهدف. يعني أننا أعلنا بأنه سيتم استثمار 150 مليار دولار خلال 10 سنوات وحينها لم يكن هذا الأمر بعيداً عن الأذهان، وذلك لجمع المال لصندوق الاحتياط النقدي وأيضا لمساعدة الصناعات والبتروكيماويات

الأمن القومي

أما فيما يخص دور النفط في تقوية الأمن القومي الإيراني في المجال العالمي فسأعرّج على عدة أمور
1- كلما كان حجم الاقتصادي الوطني أكبر فإن إغفاله وعدم استقراره سيكون أكثر خطراً على العالم
2- كلما كان اقتصاد بلد ما أكثر تعاملاً مع اقتصادات البلدان الأخرى فإنه سيضمن أمنه أكثر
3- إن حجم اقتصاد كل بلد ومقدار تعامله مع الاقتصاد العالمي مرتبط بشكل مباشر مع أمنه القومي

لذلك فإن تقزيم وعزل اقتصاد بلد ما كإيران يعرض أمنه للخطر. واليوم نمو اقتصاد ورخاء قسم مهم من أوروبا الغربية هو في استقرار وأمن روسية، لأن هذا البلد يمتلك 200 مليار متر مكعب من الغاز يصدر منه سنوياً إلى أوروبا الغربية، ولذلك فإن أي عدم استقرار يطال روسية سيؤثر بشدة في أوروبا الغربية في غضون يومين وسيشلها اقتصادياً. كما أن الغاز أيضاً ليس مثل النفط لأنه في حال تم قطعه فإنه يمكن تأمينه من بلد آخر. لذلك فإن كلاً من ألمانيا وأوروبا الغربية هما ضامنان لأمن روسيا، وطبعاً هذه العلاقة ثنائية وفي حال أن إيران أنتجت 8 ملايين برميل نفط بدلاً من إنتاجها 4 ملايين برميل نفط في اليوم (والتي انخفضت اليوم)، فألن يزيد ذلك من وزنها واستقرارها في الاقتصاد العالمي؟ وهل ستكون السعودية أكثر أهمية من إيرا

إن نمو الاستثمار الأجنبي مؤثر أيضاً في هذا الأمر عندما نعمل في عسلوية(4)مع شركة توتال أو شل أو أني وغيرها من الشركات النفطية الأجنبية، فإننا نثق بأن هذه المنشآت لن يلحق بها الضرر بتاتاً كما أنها لن تلحق بنا الضرر أيضا! وإذا كنا نصدر لأوروبا سنوياً 40 مليار متر مكعب من الغاز أو أننا نصدر سنوياً طبقاً لاتفاقية كرسنت(5) على الأقل من 500 إلى 600 مليون متر مكعب من الغاز، فهل يتجرأ الغرب أن يتحدث معنا بهذا الشكل ويعاقب نفطنا؟ لذلك فإن ازدياد صلة أو علاقة العالم بنا هو ضامن لأمننا

إن تقوية اقتصاد بلد ما في الساحة الدولية هو سبب لأمن أكثر، وانطواءه يعني دخوله مرحلة التهديد والخطر. وأهم قطاع في اقتصادنا في تعاملاتنا مع العالم هو القطاع النفطي الذي باستطاعتنا الاستفادة منه. فقد كانت أوروبا تسعى بكل ما أوتيت من قوة بأن تخفف من صلتها بالغاز الروسي، ونحن كنا نحاول أن نستفيد من هذه الفرصة لتصدير الغاز إلى أوروبا، وعلى الرغم أنه لدينا عقبات متطورة في هذا المجال. ولكن كان لدينا مع الصين واليابان والهند وغيرها من البلدان هذا الشكل من التعاملات الإستراتيجية، كما وقعنا مع وزير النفط الهندي مسودة قرار بتصدير الغاز، كان رئيس مجموعة الصداقة الإيراني والهندي ولكن عندما ساءت العلاقات أصبح رئيس مجموعة الصداقة الهندي والأميركي وزير نفط وفشل التيار المؤيد للتعاطي مع إيران لدى الحزب الحاكم في الهند

عندما رافقت السيد خاتمي إلى اليابان والتقيت هناك بوزير الاقتصاد والطاقة والتجارة، قال لي السيد خاتمي أخبرهم بأن يرفعوا من سقف ثقتهم واعتمادهم بإيران، فاليابانيون منحونا قرضاً بقيمة 2/4 مليار دولار بحيث أدخلنا بـ 17 مليار دولار موارد جنوب فارس للغاز الطبيعي الذي يعتبر أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم، ولكن فيما بعد أخرجناهم بسبب الاختلاف على 200-300 مليون دولار! والآن لم ييق سوى شركة أني في حقل دارخوين(6)وكانت قد باشرت عملها كونها لا تريد أن تضيع هذه الفرصة وهذه القضية تتطلب تفكيرا استراتيجييا

عند القول إن أميركا تريد أن تزيد من إنتاج السعودية وإنها ترغب بأن تلعب دوراً مهماً في هذه السوق، فهذا الكلام مدعاة للغرابة والضحك، لأن أمريكا ما جاءت إلى العراق إلا لتنهب وتسرق نفطه، فهي يريدون فقط أن تكون “قوة العرض” تحت تصرفهم وحتى أن سعر النفط ليست مهماً بالنسبة لهم

إذاً برأيي إن ضمان أمن عرض النفط والغاز يزيد من ضمان أمننا في الساحة الدولية وتهديد هذا الأمن يمكن أن يعرضنا للخطر

إن زيادة حصتنا في إنتاج النفط الخام والمنتجات النفطية وزيادة نصيبنا في الإنتاج والتجارة العالمية للغاز وإنتاج وتجارة المواد البتروكيمائية كلها عوامل تعظّم اقتصادنا وتزيد من تعاملنا مع الاقتصاد العالمي وتزيد من أمننا. وأما النقطة الأخرى فهي المتعلقة بمسألة الأمن الإقليمي، وهي مهمة جداً باعتبارها قد تخل بالتوازن الإقليمي في إنتاجي النفط والغاز وتزيد من أمننا على المدى الطويل، أي إن إنتاج إيران والسعودية والعراق توازنات في حال أنه اختل فإن أمننا سيتعرض للخطر أيضاً

لقد قلت عدة مرات في منظمة أوبك إن قوة بلد ما ليست بالفصاحة وسلاطة اللسان، بل إنها بالاستعداد وقدرة الإنتاج والإمكانيات. في حين أن آخرين ينظرون إلى ما ينتجه بلد ما وما لديه من مشاريع قيد البناء أو إلى برامج لزيادة الإنتاج، ولذلك ليس كافياً أن نفكر جيداً ماذا نفعل حتى نستفيد من النفط بشكل أفضل لتنمية البلاد أو أن نعتمد بشكل أساسي على زيادة القيمة أو إيجاد حساب الاحتياطي، بل إن هذا الأمر يتطلب مجموعة من السياسات والبرامج حتى يرتفع رصيد أمننا القومي، وأيضاً موقعنا العالمي ورفاهيتنا وسعادتنا التي نسعى للوصول إليها

ترجمة علي العبد الله ـ سورية
ـــــــــ
مصدق(1): محمد مصدق رئيس وزراء إيراني أسبق شغل المنصب بين عامي 1951 و1953 ويعتبر محمد مصدق في إيران بطلاً قومياً لرفضه الإمبريالية الغربية وقيامه بتأميم النفط إبان تسلمه الرئاسة.
آية الله كاشاني(2): أبرز رموز المؤسسة الدينية الإيرانية إبان حكومة مصدق، ويعرف عنه أنه أفتى بأن “كل من يعارض تأميم النفط الإيراني هو عدو للإسلام”.
الدكتور مسعود نيلي(3): يحمل دكتوراه في الاقتصاد من جامعة مانشستر البريطانية وماجستير في تخطيط البرامج الاقتصادية وله العديد من الكتب المنشورة في المجال الاقتصادي.

عسلوية(4): منطقة يعرف عنها حتى الآن باحتياطاتها الهائلة في حقول الغاز.
كرسنت(5): شركة إماراتية وقعت معها إيران اتفاقية عام 2001 بحيث تزود فيها إيران بموجبها دوله الإمارات بـ 5مليارات متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي.
دارخوين(6): حقل نفطي يقع على مسافة 30 كلم شمال خرمشهر و100 كلم جنوب أهواز قد تم اكتشافه في عام 1964, وتقدر احتياطاته الكامنة بنحو خمسة مليارات برميل يوميا, بالإمكان استخراج ما بين 27ر1 إلى 3ر1 مليار برميل من النفط الخام منه.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s