من وصايا الامام العسكري عليه السلام

محاور الموضوع
تمهيد في أن العبادة والخضوع للخالق سبحانه سنّة كونية
فضل صلاة الليل
ثواب صلاة الليل
أسباب الحرمان من صلاة الليل
فوائد صلاة الليل
قصة للعبرة

الهدف
الحثّ على صلاة الليل وإظهار فضلها وثوابها وفوائدها وأسباب الحرمان منها

تصدير الموضوع
عن الإمام العسكري عليه السلام:”… إن الوصول إلى اللّه عز وجل سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل..1

تمهيد
إن الخضوع لله والعبادة له موجود في هذا الكون الشاسع؛ من الذرة وما دون، إلى المجرة وما فوق. لذلك يسير الكون إلى كماله والى الغاية المخلوق لأجلها. يقول سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا2

فالله تعالى لم يترك الإنسان خارج قانون العبادة، لذلك أرسل له من يرشده إلى ذلك، وهم الأنبياء عليه السلام، وخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه واله بشريعته القرآنية الضابطة والناظمة للإنسان، لنفسه وعقله وسلوكه وحياته الفردية والاجتماعية

إلا أن الفرق بين خضوع الكون والإنسان، أن الأول لا إرادة له في اختيار عبادته فهو مجبور على السير والخضوع لله تعالى، أما الثاني فإنه صاحب إرادة يختار العبادة والخضوع اختياراً. في الحديث: “أنّ علياً عليه السلام إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلّون، فيُقال له: ما لك يا أمير المؤمنين ؟ فيقول: جاء وقت الصلاة، وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض فأبينَ أن يحملنها وأشفقن منها3

فضل صلاة الليل
يقول سبحانه:﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا*وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا4

عن الرسول صلى الله عليه واله قال: “خيركم من أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلّى بالليل والناس نيام5. وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: “قيام الليل مصحة للبدن، ومرضاة للربّ عزّ وجل، وتعرّض للرحمة، وتمسّك بأخلاق النبيين6

وقد ألفت أمير المؤمنين عليه السلام انّ من صفات المتقين قيام الليل: “أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ……حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ7.. وبالرغم من أننا نعلم أن شخصاً مثل الإمام علي عليه السلام لا يترك صلاة الليل أبداً، ونظراً لأهمية هذه الصلاة نرى رسول الله صلى الله عليه واله أوصاه بها في جملة من وصاياه له، إذ قال له صلى الله عليه واله: “أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها، ثم قال: اللهم أعنه… وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل!8

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “ثلاثة هنّ فخر المؤمن وزينة في الدنيا والآخرة، الصلاة في آخر الليلِ ويأسه مما في أيدي الناس وولاية الإمام من آل محمد9

ثواب صلاة الليل
يتساءل الواحد منا أنه إذا كان لهذه النافلة درجة عالية من الأهمية في تربية الإنسان وعملية تهذيب النفس, فلا بد أن يكون ثوابها عظيماً, يقول مولانا الصادق عليه السلام ‏: “ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلا صلاة الليل، فإن الله لم يبيّن ثوابها لعظيم خطرها عنده فقال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع.. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يكسبون10

أسباب الحرمان من صلاة الليل
إن كثيرين يحبون أن ينالوا شرف قيام الليل وأداء هذه الناشئة المباركة ويتشوقون إلى ذلك، لكن سرعان ما تراهم لا يبادرون إلى ما أحبّوه، وظلّ هذا الحب في عالم النفس وحديثها دون أن يترجم بالفعل والخارج فكأن شيئاً حال بينهم وبين تحقيق مطلوبهم ولقاء محبوبهم فما هو ذلك الشي‏ء الذي أوجد حاجزاً أو شكّل مانعاً؟

والجواب: أنه الذنب على اختلاف أنواعه وأشكاله.يقول الصادق عليه السلام: “إن الرجل يذنب فيُحرم صلاة الليل وإن العمل السيى‏ء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم”11

وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام لرجل شكى عن حرمانه صلاة الليل: “أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك12.وفي حديث آخر: “إن الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل13

ومن أسباب الحرمان السهر العبثي في الليل خصوصاً في عصرنا هذا مع وجود الملهيات الكثيرة كالتلفزيون والانترنت…ومن الذنوب المانعة العُجب، فهي كافية للحؤول بينه وبين التوفيق للتهجد والقيام بالليل

يقول رسول الله صلى الله عليه واله: قال الله تعالى: “إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيتهجدّ لي الليالي… ولو أخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب، فيصيّره العجب إلى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه عند حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن أنه يتقرب إليّ14

فوائد صلاة الليل
في المروي أنها مُطردة الداء من الأجساد15، ومُصححة البدن16، وإنها تبيّض الوجه وتحسّنه، وتحسّن الخُلُق، وتطيّب الريح، وتجلب الرزق وتدرّه، وتقضي الدين، وتذهب بالهمّ، وتجلو البصر17، وإنها تمنع من نزول العذاب18، وإنها تجلب رضا الرب، وتعرّض لرحمة رب العالمين، وتنفي السيئات19، وأن العبد ليقوم في الليل فيميل به النعاس يميناً وشمالاً وقد وقع ذقنه على صدره، فيأمر الله تعالى أبواب السماء فتفتح، ثم يقول للملائكة: “انظروا إلى عبدي ما يصيبه في التقرّب إليّ بما لم افترضه عليه راجياً مني لثلاث خصال: ذنباً اغفر له، أو توبة أجدّدها، أو رزقاً أزيده. اشهدوا ملائكتي أني قد جمعتهن له20.
وعلى الإنسان المؤمن أن ينظر إلى الإخلاص في صلاة الليل لكي يترقى في مدارج الكمال

فللإخلاص مراتب
تصفية العمل عن شائبة رضا المخلوق وجلب قلوب المخلوقين
تصفية العمل عن حصول المقاصد الدنيوية، كإتيان صلاة الليل لتوسعة الرزق
تصفية العمل عن الوصول إلى الجنّات والحور والقصور، وأمثالها من اللذات الجسمانية. وفي مقابله عبادة الاجراء كما في بعض الروايات
أن يصفي العمل عن خوف العقاب والعذاب
تصفية العمل عن رؤية استحقاق الثواب والأجر
تصفية العمل من الاستكثار والفرح به والاعتماد عليه وتعلق الخاطر فيه، يقول الإمام موسى الكاظم عليه السلام: “كل عمل تريد به الله عزّ وجل فكن مقصّرا عند نفسك فإن الناس كلهم في أعمالهم فيما بينهم وبين الله مقصّرون إلا من عصمة الله عزّ وجلّ”

قصة للعبرة
طلب أحد العلماء من ابنه أن يستيقظ ليلاً حتى يخرج معه لأداء صلاة الليل في أحد الأماكن المقدسة فتكاسل هذا الشاب في البداية ولكنه قام بعد ذلك امتثالاً لأمر أبيه وقبل أن يصلوا إلى مكان العبادة التفت الأب إلى ابنه وهو يشير إلى فقير في الشارع يطلب من الناس الصدقة

فقال: يا بني إن هذا الفقير قد ترك لذة النوم والراحة وجاء هنا في هذا المكان غير المريح يستعطي الناس بذلّة والله (عزّ وجلّ) وعدك في قيام الليل بالثواب العظيم فلا تعلم أي نفس ما أعد الله من النعيم لمن يقوم الليل بالعبادة وأنت تنام عن هذا الثواب

يا بني هذا الفقير قد يحصل على درهم بعد التعب الشديد والتذلل للناس ولكنك إن أتعبت نفسك في العبادة سوف تحصل على جنات تجري من تحتها الأنهار وغير ذلك من النعيم، ورضوان من الله أكبر، فاليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل استفاد الابن من نصيحة والده ولم يترك صلاة الليل أبداً

خاتمة
ان السفر والعروج إلى الله سبحانه لا ينال بالتمني والكسل والإهمال والنوم، بل يحتاج إلى المجاهدة والرياضة الروحية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ21، ومن الرياضات الروحية المهمة صلاة الليل،فخذ بنصيحة الإمام العسكري عليه السلام:”… ان الوصول إلى اللّه عز وجل سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل“, عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ في ظل صاحب المقام المحمود


1-بحار الأنوار ج75ص380
2- الإسراء:44
3- نور الثقلين 264/312/4:وص:265/331 وج 266
4-الإسراء:78-79
5-بحار الأنوار ج8 ص:119
6- ثواب الأعمال:64
7- الكافي ج 2 ص:132
8- دعائم الإسلام ج 2 ص:348
9-وسائل الشيعة ج 9 ص:450
10- البحار، ج‏ 8، ص‏:126
11-الكافي، ج 2، ص‏272
12ـ من ج‏ 3، ص‏:450
13ـ علل الشرائع، ص‏:362
14 ـ البحار، ج‏ 71، ص‏:151
15ـ ثواب الأعمال 63، ثواب من صلى الليل حديث2
16ـ ثواب الأعمال 64، ثواب من صلى الليل حديث6
17ـ ثواب الأعمال 64، ثواب من صلى الليل حديث8
18 ـ بحار الأنوار 15087باب 6، فضل صلاة الليل حديث 26ذيله
19 ـ البلد الأمين 47 الدعاء بعد صلاة الليل في الهامش
20 ـ ثواب الأعمال 64 ثواب صلاة الليل حديث7
21-العنكبوت:69

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s