عبادة السيدة فاطمة

ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة

محاور الموضوع
العبادة بمفهومها العام
العبادة بمفهومها الخاص
العبادة بمفهومها الأخص
كرامة لفاطمة عليها السلام
كرامة أخروية لفاطمة

الهدف
إظهار فضل فاطمة وكرامتها على الله تعالى لخلوص عبادتها

تصدير الموضوع
عن الحسن البصري:  “ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة كانت تقوم حتى تورم قدماها1

تمهيد
اعتبر الاسلام أن طريق الكمال لا يسلكه الرجال فحسب بل للنساء فيه نصيب،”إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما2

وكما أن في الرجال قدوات في العلم والعمل كذلك في النساء، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ3

ومن القدوات النسائية المهمة فاطمة الزهراء عليها السلام، عن رسول الله صلى الله عليه واله:  “… وإنها سيدة نساء العالمين فقيل:  يا رسول الله هي سيدة نساء عالمها؟ فقال:  ذاك لمريم بنت عمران، فأما ابنتي فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين4

العبادة بمفهومها العام

ان العبادة بمفهومها العام تعني الخضوع والانقياد والطاعة للمعبود، وقد كانت سيدتنا الزهراء عليها السلام بهذا المعنى العابدة لله تعالى، حتى كانت من المطهرين، يقول سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً5 فهي من أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. ومن أسمائها التي أطلقها رسول الله عليها “الطاهرة”.فهي الطاهرة المعصومة من الرجس والذنوب لذلك استحقت ان تكون أمّاً للأئمة الأطهار عليها السلام

العبادة بمفهومها الخاص
ان العبادة بمفهومها الخاص تعني الالتزام بالرسوم العبادية التي شرّعها الله تعالى كالصلاة والصيام والحج., وهي وسيلة من وسائل القرب الى الله تعالى،وفي الحقيقة ان كل تشريعات الاسلام اذا ما التزم بها الانسان فانه سيقترب من الله سبحانه.عن سيدتنا الزهراء عليها السلام: “… فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، و الصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، و الزكاة تزكيةً للنفس، و نماءً في الرزق، و الصيام تثبيتاً للإخلاص، والحج تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، و طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من الفُرقة (للفُرقة)، و الجهاد عزّاً للإسلام، و الصبر معونةً على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحةً للعامة، و برَّ الوالدين وقايةً من السخط، و صلة الأرحام مُنماةً للعدد، و القصاص حقناً للدماء والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة و توفية المكاييل و الموازين تغييراً للبخس، و النهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، و اجتناب القذف حجاباً عن اللعنة و ترك السرقة إيجاباً للعفة و حرَّم الله الشرك إخلاصاً له بالرُّبوبية.فـ ﴿اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُون﴾ و أطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، فإنه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ6. وقد أبدعت سلام الله عليها في تبيان جوانب من فلسفة الأحكام من خلال عبارات قصيرة

العبادة بمفهومها الاخص
ان مفهوم العبادة بالمعنى الاخص نعني بها الصلاة، وللصلاة فلسفة عظيمة منها ما ذكرته مولاتنا الزهراء عليها السلام، وأهم أمر تؤديه الصلاة هي وقاية الانسان من الوقوع في المحرمات، قال تعالى:  ﴿.. ِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون7

ولذلك ورد في الاحاديث:  “كن ورعاً تكن أعبد الناس وخير دينكم الورع”. ولقد سارت مولاتنا على طريق العبودية منذ ولادتها، و هي على هذا الحال إلى أن فارقت روحها الحياة. جاء في قصة ولادة فاطمة الزهراء عليها السلام و انعقاد نطفتها من ثمار الجنة و حضور النساء الأربع عند ولادته: “فولدت فاطمة عليها السلام فوقعت حين وقعت على الأرض ساجدة8

وعن الإمام الحسين عن أخيه الإمام الحسن عليه السلام قال:  رأيت أمِّي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جُمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتَّضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتُسمّيهم، وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء. فقلت له:  يا أمَّاه لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت:  يا بني! الجار ثم الدار.وروى الحسن البصري:  ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة، كانت تقوم حتى تورَّم قدماها

وعن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال:  وأمَّا ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني وهي نور عيني وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيَّ، وهي الحوراء الإنسية؛متى قامت في محرابها بين يدي ربها (جل جلاله) زَهَر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله (عز وجل) لملائكته:  يا ملائكتي انظروا إلى أَمَتي:  فاطمة، سيدة إمائي قائمة بين يدي، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، أشهدكم أني قد أمَنت شيعتها من النار.. الخ

وفي كتاب عدة الداعي:  وكانت فاطمة عليها السلام تنهج في الصلاة من خيفة الله. والنهج – بفتح النون والهاء – تتابع النَفَس
والأحاديث في عبادة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام كثيرة، خاصة الأدعية التي كانت تناجي بها ربها

كرامة لفاطمة عليها السلام

ان لأولياء الله كرامات لا تنكر فكلما تمحض الانسان لله كلما أعطاه الله الكرامة في الدنيا والاخرة وكلما عبده مخلصاً كلما أعطاه من العطايا، ولا ينبغي على المؤمنين انكار كرامات الاولياء، فان التاريخ يحدثنا عن ذلك، وسيّدتنا الزهراء عليها السلام كان لها كرامات لا تنكر، وهذا بعض ما ذكر من كراماتها، فعن أبي سعيد الخدري قال: أصبح علي بن أبي طالب عليها السلام ذات يوم ساغباً وقال:  يا فاطمة هل عندك شيء تغذّينيه؟ قالت:  لا، والذي أكرم أبي بالنبوة، وأكرمك بالوصية ما أصبح الغداة شيء، وما كان شيء أطعمناه مذ يومين إلاَّ شيء كنت أؤثرك به على نفسي، وعلى ابني هذين؟ الحسن والحسين.فقال علي:  يا فاطمة؟ ألا كنتِ أعلَمتِني فأبغيكم شيئ:  فقالت:  يا أبا الحسن إني لأستحيي من إلهي أن أكلّف نفسك ما لا تقدر عليه. فخرج علي بن أبي طالب من عند فاطمة واثقاً بالله بحسن الظن، فاستقرض ديناراً فبينما الدينار في يد علي بن أبي طالب عليها السلام يريد أن يبتاع لعياله ما يصلحهم، فتعرَّض له المقداد بن الأسود، في يوم شديد الحر، قد لوّحته الشمس من فوقه، وآذته من تحته فلما رآه علي بن أبي طالب عليها السلام أنكر شأنه فقال:  يا مقداد ما أزعجك هذه الساعة من رحلك؟

قال:  يا أبا الحسن خلّ سبيلي ولا تسألني عما ورائي!!فقال:  يا أخي إنه لا يسعني أن تتجاوزني حتى أعلم علمك. فقال:  يا أبا الحسن رغبة إلى الله وإليك أن تخلّي سبيلي، ولا تكشفني عن حالي!!!فقال له:  يا أخي إنه لا يسعك أن تكتمني حالك. فقال:  يا أبا الحسن! أمَّا إذا أبيتَ! فو الذي أكرم محمداً بالنبوة وأكرمك بالوصية ما أزعجني من رحلي إلاَّ الجَهْد وقد تركت عيالي يتضورون جوعاً، فلما سمعت بكاء العيال لم تحملني الأرض، فخرجت مهموماً، راكباً رأسي، هذه حالي وقصتي!!فانهمرت عينا علي بالبكاء حتى بلّت دمعته لحيته فقال له:  أحلفُ بالذي حلفتَ:  ما أزعجني إلاَّ الذي أزعجك من رحلك، فقد استقرضت ديناراً، فقد آثرتك على نفسي.فدفع الدينار إليه ورجع حتى دخل مسجد النبي صلى الله عليه واله فصلَّى فيه الظهر والعصر والمغرب، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه واله المغرب مرَّ بعلي بن أبي طالب عليها السلام وهو في الصف الأول فغمزه برجله، فقام علي متعقباً خلف رسول الله صلى الله عليه واله حتى لحقه على باب من أبواب المسجد، فسلَّم عليه فردَّ رسول الله صلى الله عليه واله السلام، فقال:  يا أبا الحسن هل عندك شيء نتعشاه فنميل معك؟

فمكث مطرقاً لا يحير جواباً، حياءً من رسول الله صلى الله عليه واله وكان النبي صلى الله عليه واله يعلم ما كان من أمر الدينار، ومن أين أخذه وأين وجّهه، وقد كان أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد صلى الله عليه واله أن يتعشى تلك الليلة عند علي بن أبي طالب عليها السلام. فلما نظر رسول الله صلى الله عليه واله إلى سكوته فقال:  يا أبا الحسن ما لَك لا تقول:  لا. فأنصرف؟ أو تقول:  نعم. فأمضي معك؟ فقال – حياءً وتكرماً -:  فاذهب بنا!!

فأخذ رسول الله صلى الله عليه واله يد علي بن أبي طالب عليها السلام فانطلقا حتى دخلا على فاطمة عليها السلام وهي في مصلاّها قد قضت صلاتها، وخلفها جفنة تفور دخاناً.فلما سمعت كلام رسول الله صلى الله عليه واله خرجت من مصلاّها فسلّمت عليه وكانت أعزّ الناس عليه، فردّ عليها السلام، ومسح بيده على رأسها وقال له:  يا بنتاه كيف أمسيت؟ قالت:  بخير. قال:  عشّينا، رحمك الله، وقد فعل

فأخذت الجفنة فوضعتها بين يدي النبي صلى الله عليه واله وعلي بن أبي طالب.. إلى أن قال:  فقال علي له:  يا فاطمة أنِّى لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه قط، ولم أشمّ ريحه قط، وما آكل أطيب منه؟؟قال:  فوضع رسول الله صلى الله عليه واله كفّه الطيبة المباركة بين كتفي علي بن أبي طالب عليها السلام فغمزها، ثم قال:  يا علي! هذا بدل دينارك، وهذا جزاء دينارك من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب

ثم استعبر النبي صلى الله عليه واله باكياً، ثم قال:  الحمد لله الذي أبى لكم أن تخرجا من الدنيا حتى يجزيكما ويجريك – يا علي – مجرى زكريا، ويجري فاطمة مجرى مريم بنت عمران، كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً9

كرامة أخروية لفاطمة
ولقرب الزهراء من الله تعالى أكرمها أيضا في الاخرة، فهي أول من يدخل الجنة، و قد ثبت من خلال رويات أهل السنّة المعروفة أنّ الرسول صلى الله عليه واله نسب هذه المنقبة إلى فاطمة الزهراء عليها السلام و لعدة مرّات.فعن الرسول الكريم صلى الله عليه واله: “أوّل شخص يدخل الجنة فاطمة عليها السلام “10

وعنه صلى الله عليه واله: “أوّل شخص يدخل الجنة فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه واله و مثلها في هذه الأمة مثل مريم في بني إسرائيل11
مما يدل على ما نقله الامام عليّ بن أبي طالب عليها السلام عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال: “تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة و عليها حلة الكرامة قد عجنت بماء الحيوان، فتنظر إليها الخلائق فيتعجبون منها”و يضيف صلى الله عليه واله في آخر الحديث: “فتزف إلى الجنة كالعروس لها سبعون ألف جارية12

و تروي عائشة عن الرسول الكريم صلى الله عليه واله: “إذا كان يوم القيامة نادى مناد يا معشر الخلائق طأطؤا رؤوسكم حتى تجوز فاطمة بنت محمّد13
السلام عليك يابضعة رسول الله صلى الله عليه واله يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تُبعثين حيّة


1- بحار الأنوار ج 43 ص 84.
2- الاحزاب: 35
3- التحريم :  11
4- بحار الانوار ج 37 ص 85
5- الاحزاب: 32.
6- بحار الانوار ج 6 ص 208.
7- العنكبوت:  45.
8- ذخائر العقبي ص 44.
9- (كتاب البحار عن تفسير فرات بن إبراهيم)
10- ميزان الاعتدال، ج2، ص131.
11- كنز العمّال،ج6،ص219.
12- ذخائر العقبى، ص48.
13- تاريخ بغداد،ج8، ص141.

Advertisements

من وصايا الامام العسكري عليه السلام

محاور الموضوع
تمهيد في أن العبادة والخضوع للخالق سبحانه سنّة كونية
فضل صلاة الليل
ثواب صلاة الليل
أسباب الحرمان من صلاة الليل
فوائد صلاة الليل
قصة للعبرة

الهدف
الحثّ على صلاة الليل وإظهار فضلها وثوابها وفوائدها وأسباب الحرمان منها

تصدير الموضوع
عن الإمام العسكري عليه السلام:”… إن الوصول إلى اللّه عز وجل سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل..1

تمهيد
إن الخضوع لله والعبادة له موجود في هذا الكون الشاسع؛ من الذرة وما دون، إلى المجرة وما فوق. لذلك يسير الكون إلى كماله والى الغاية المخلوق لأجلها. يقول سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا2

فالله تعالى لم يترك الإنسان خارج قانون العبادة، لذلك أرسل له من يرشده إلى ذلك، وهم الأنبياء عليه السلام، وخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه واله بشريعته القرآنية الضابطة والناظمة للإنسان، لنفسه وعقله وسلوكه وحياته الفردية والاجتماعية

إلا أن الفرق بين خضوع الكون والإنسان، أن الأول لا إرادة له في اختيار عبادته فهو مجبور على السير والخضوع لله تعالى، أما الثاني فإنه صاحب إرادة يختار العبادة والخضوع اختياراً. في الحديث: “أنّ علياً عليه السلام إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلّون، فيُقال له: ما لك يا أمير المؤمنين ؟ فيقول: جاء وقت الصلاة، وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض فأبينَ أن يحملنها وأشفقن منها3

فضل صلاة الليل
يقول سبحانه:﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا*وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا4

عن الرسول صلى الله عليه واله قال: “خيركم من أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلّى بالليل والناس نيام5. وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال: “قيام الليل مصحة للبدن، ومرضاة للربّ عزّ وجل، وتعرّض للرحمة، وتمسّك بأخلاق النبيين6

وقد ألفت أمير المؤمنين عليه السلام انّ من صفات المتقين قيام الليل: “أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ……حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ، مُفْتَرِشُونَ لِجَبَاهِهِمْ وَأَكُفِّهِمْ، وَأَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ، يَطْلُبُونَ إِلَى اللهِ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ7.. وبالرغم من أننا نعلم أن شخصاً مثل الإمام علي عليه السلام لا يترك صلاة الليل أبداً، ونظراً لأهمية هذه الصلاة نرى رسول الله صلى الله عليه واله أوصاه بها في جملة من وصاياه له، إذ قال له صلى الله عليه واله: “أوصيك في نفسك بخصال فاحفظها، ثم قال: اللهم أعنه… وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل!8

عن الإمام الصادق عليه السلام قال: “ثلاثة هنّ فخر المؤمن وزينة في الدنيا والآخرة، الصلاة في آخر الليلِ ويأسه مما في أيدي الناس وولاية الإمام من آل محمد9

ثواب صلاة الليل
يتساءل الواحد منا أنه إذا كان لهذه النافلة درجة عالية من الأهمية في تربية الإنسان وعملية تهذيب النفس, فلا بد أن يكون ثوابها عظيماً, يقول مولانا الصادق عليه السلام ‏: “ما من عمل حسن يعمله العبد إلا وله ثواب في القرآن إلا صلاة الليل، فإن الله لم يبيّن ثوابها لعظيم خطرها عنده فقال: تتجافى جنوبهم عن المضاجع.. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يكسبون10

أسباب الحرمان من صلاة الليل
إن كثيرين يحبون أن ينالوا شرف قيام الليل وأداء هذه الناشئة المباركة ويتشوقون إلى ذلك، لكن سرعان ما تراهم لا يبادرون إلى ما أحبّوه، وظلّ هذا الحب في عالم النفس وحديثها دون أن يترجم بالفعل والخارج فكأن شيئاً حال بينهم وبين تحقيق مطلوبهم ولقاء محبوبهم فما هو ذلك الشي‏ء الذي أوجد حاجزاً أو شكّل مانعاً؟

والجواب: أنه الذنب على اختلاف أنواعه وأشكاله.يقول الصادق عليه السلام: “إن الرجل يذنب فيُحرم صلاة الليل وإن العمل السيى‏ء أسرع في صاحبه من السكين في اللحم”11

وفي حديث عن أمير المؤمنين عليه السلام لرجل شكى عن حرمانه صلاة الليل: “أنت رجل قد قيّدتك ذنوبك12.وفي حديث آخر: “إن الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل13

ومن أسباب الحرمان السهر العبثي في الليل خصوصاً في عصرنا هذا مع وجود الملهيات الكثيرة كالتلفزيون والانترنت…ومن الذنوب المانعة العُجب، فهي كافية للحؤول بينه وبين التوفيق للتهجد والقيام بالليل

يقول رسول الله صلى الله عليه واله: قال الله تعالى: “إن من عبادي المؤمنين لمن يجتهد في عبادتي فيقوم من رقاده ولذيذ وساده فيتهجدّ لي الليالي… ولو أخلي بينه وبين ما يريد من عبادتي لدخله من ذلك العجب، فيصيّره العجب إلى الفتنة بأعماله، فيأتيه من ذلك ما فيه هلاكه لعجبه بأعماله ورضاه عن نفسه عند حد التقصير فيتباعد مني عند ذلك وهو يظن أنه يتقرب إليّ14

فوائد صلاة الليل
في المروي أنها مُطردة الداء من الأجساد15، ومُصححة البدن16، وإنها تبيّض الوجه وتحسّنه، وتحسّن الخُلُق، وتطيّب الريح، وتجلب الرزق وتدرّه، وتقضي الدين، وتذهب بالهمّ، وتجلو البصر17، وإنها تمنع من نزول العذاب18، وإنها تجلب رضا الرب، وتعرّض لرحمة رب العالمين، وتنفي السيئات19، وأن العبد ليقوم في الليل فيميل به النعاس يميناً وشمالاً وقد وقع ذقنه على صدره، فيأمر الله تعالى أبواب السماء فتفتح، ثم يقول للملائكة: “انظروا إلى عبدي ما يصيبه في التقرّب إليّ بما لم افترضه عليه راجياً مني لثلاث خصال: ذنباً اغفر له، أو توبة أجدّدها، أو رزقاً أزيده. اشهدوا ملائكتي أني قد جمعتهن له20.
وعلى الإنسان المؤمن أن ينظر إلى الإخلاص في صلاة الليل لكي يترقى في مدارج الكمال

فللإخلاص مراتب
تصفية العمل عن شائبة رضا المخلوق وجلب قلوب المخلوقين
تصفية العمل عن حصول المقاصد الدنيوية، كإتيان صلاة الليل لتوسعة الرزق
تصفية العمل عن الوصول إلى الجنّات والحور والقصور، وأمثالها من اللذات الجسمانية. وفي مقابله عبادة الاجراء كما في بعض الروايات
أن يصفي العمل عن خوف العقاب والعذاب
تصفية العمل عن رؤية استحقاق الثواب والأجر
تصفية العمل من الاستكثار والفرح به والاعتماد عليه وتعلق الخاطر فيه، يقول الإمام موسى الكاظم عليه السلام: “كل عمل تريد به الله عزّ وجل فكن مقصّرا عند نفسك فإن الناس كلهم في أعمالهم فيما بينهم وبين الله مقصّرون إلا من عصمة الله عزّ وجلّ”

قصة للعبرة
طلب أحد العلماء من ابنه أن يستيقظ ليلاً حتى يخرج معه لأداء صلاة الليل في أحد الأماكن المقدسة فتكاسل هذا الشاب في البداية ولكنه قام بعد ذلك امتثالاً لأمر أبيه وقبل أن يصلوا إلى مكان العبادة التفت الأب إلى ابنه وهو يشير إلى فقير في الشارع يطلب من الناس الصدقة

فقال: يا بني إن هذا الفقير قد ترك لذة النوم والراحة وجاء هنا في هذا المكان غير المريح يستعطي الناس بذلّة والله (عزّ وجلّ) وعدك في قيام الليل بالثواب العظيم فلا تعلم أي نفس ما أعد الله من النعيم لمن يقوم الليل بالعبادة وأنت تنام عن هذا الثواب

يا بني هذا الفقير قد يحصل على درهم بعد التعب الشديد والتذلل للناس ولكنك إن أتعبت نفسك في العبادة سوف تحصل على جنات تجري من تحتها الأنهار وغير ذلك من النعيم، ورضوان من الله أكبر، فاليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل استفاد الابن من نصيحة والده ولم يترك صلاة الليل أبداً

خاتمة
ان السفر والعروج إلى الله سبحانه لا ينال بالتمني والكسل والإهمال والنوم، بل يحتاج إلى المجاهدة والرياضة الروحية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ21، ومن الرياضات الروحية المهمة صلاة الليل،فخذ بنصيحة الإمام العسكري عليه السلام:”… ان الوصول إلى اللّه عز وجل سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل“, عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ في ظل صاحب المقام المحمود


1-بحار الأنوار ج75ص380
2- الإسراء:44
3- نور الثقلين 264/312/4:وص:265/331 وج 266
4-الإسراء:78-79
5-بحار الأنوار ج8 ص:119
6- ثواب الأعمال:64
7- الكافي ج 2 ص:132
8- دعائم الإسلام ج 2 ص:348
9-وسائل الشيعة ج 9 ص:450
10- البحار، ج‏ 8، ص‏:126
11-الكافي، ج 2، ص‏272
12ـ من ج‏ 3، ص‏:450
13ـ علل الشرائع، ص‏:362
14 ـ البحار، ج‏ 71، ص‏:151
15ـ ثواب الأعمال 63، ثواب من صلى الليل حديث2
16ـ ثواب الأعمال 64، ثواب من صلى الليل حديث6
17ـ ثواب الأعمال 64، ثواب من صلى الليل حديث8
18 ـ بحار الأنوار 15087باب 6، فضل صلاة الليل حديث 26ذيله
19 ـ البلد الأمين 47 الدعاء بعد صلاة الليل في الهامش
20 ـ ثواب الأعمال 64 ثواب صلاة الليل حديث7
21-العنكبوت:69

 

نبارك لمولانا صاحب العصر والزمان عليه السلام ولادة الإمام الحسن العسكري ع

نبارك لمولانا صاحب العصر والزمان عليه السلام وللأمة الإسلامية جمعاء ولادة الإمام الحسن الزكي العسكري عليه السلام . سائلين الله عز وجل أن يوفقنا للسير على نهجه وانتظار الخلف الصالح من ولده الإمام الحجة القائم عجل الله تعالى فرجه

normal_imam askari (2)

أسعد الله أيامكم بذكرى ميلاد منجي البشرية الرسول الأعظم(ص) وحفيده الإمام الصادق(ع

نرفع أحر التهاني وأسمى آيات التبريك إلى مقام مولانا الإمام الحجة بن الحسن(عجل الله تعالى فرجه الشريف) بذكرى مولد منقذ البشرية النبي الأكرم محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله) وحفيده الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام)، كما نبارك لجميع الأخوة المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها هذه المناسبة السعيدة ونقول لهم: أسعد الله أيامكم وكل عام وأنتم بخير

ملامح من سيرة الامام العسكري عليه السلام واقوال الاعلام فيه

محاور الموضوع

1-اعتراف خصماء الإمام العسكري عليه السلام بفضله
2-نبذة من بعض أخلاقه
3- احترامه وهيبته

الهدف
إظهار فضل الإمام العسكري عليه السلام

تصدير الموضوع
عن الصقر بن أبي دلف قال: “سمعت علي بن محمد بن علي الرضا عليه السلام يقول: إنّ الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً

مقدّمة
الإمام العسكري عليه السلام، هو الحادي عشر من الأئمة الاثني عشر، الذين نص عليهم النبي صلى الله عليه واله وقد أشاد الإمام الهادي عليه السلام – في كثير من الروايات- بولده الإمام العسكري ابي محمد، وأوصى بإمامته بعده، منها ما عن أبي بكر الفهفكي قال: “كتب إليّ أبو الحسن: أبو محمد ابني انصح آل محمد غريزة، وأوثقهم حجة، وهو الأكبر من ولدي وهو الخلف، وإليه تنتهي عُرى الإمامة وأحكامها، فما كنت سائلي فسله عنه، فعنده ما يحتاج إليه1

مكارم أخلاقه
لقد كانت روح الإمام العسكري عليه السلام ملتقى للفضيلة بجميع أبعادها وصورها، فقد وهبه الله كما وهب آباءه العظام كل مكرمة، وحباه بكل شرف وجعله علماً لأمة جده صلى الله عليه واله.

 ـ علمه
كان الإمام العسكري عليه السلام أعلم أهل زمانه، وقد بدت عليه مظاهر العلم والمعرفة منذ حداثة سنه، فقد روى المؤرخون “أنه رآه أحد العلماء وهو صبي يبكي والصبيان يلعبون، فظنّ أنه يتحسّر على ما في أيديهم، فقال: اشتري لك ما تلعب به؟ فقال: ما للعب خُلِقنا. فقال له: فلماذا خلقنا؟ قال: للعلم والعبادة. فقال له: من أين لك هذا ؟ قال: من قوله تعالى: ﴿فَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُون2

قلت له: أي بني إني أراك حكيماً فعظني وأوجز، فأنشأ يقول
أرى الدنيا تجهز بانطلاق
مشمرة على قدم وساقِ
فلا الدنيا بباقية لحي ٍّ
ولا حيّ على الدنيا بباقِ
كأن الموت والحدثان فيها
إلى نفس الفتى فرقا سباقِ
فيا مغرور بالدنيا رويداً
ومنها خذ لنفسك بالوثاقِ

قال بهلول: “ثم رمق السماء بعينيه وأشار إليها بكفيه ودموعه تنحدر على خديه، وأنشأ يقول: يا من إليه المبتهل يا من عليه المتكل يا من إذا ما آمل يرجوه لم يخط الأمل قال: فلما أتم كلامه خرّ مغشيّاً عليه، فرفعت رأسه إلى حجري ونفضت التراب عن وجهه بكمي، فلما أفاق قلت أي بني ما نزل بك وأنت صبي صغير لم يكتب عليك ذنب. قال: إليك عني يا بهلول، إني رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار فلا يتقد لها إلا بالصغار، وأنا أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم…3.

واستطاع الإمام عليه السلام بعلمه الذي لا يجارى وفكره الثاقب ونظره الصائب أن يكشف الحقائق ويظهر الدقائق، ومن ذلك أن السلطة أخرجته من السجن بعد أن شكّ الناس في دينهم وصبوا إلى دين النصرانية، لأن أحد الرهبان كان يستسقي فيهطل المطر، بينما يستسقي المسلمون فلم يسقوا، فكشف الإمام عليه السلام عن حيلة الراهب الذي كان يُخفي عظماً لأحد الأنبياء: بين أصابعه، فأزال الشك عن قلوب الناس وهدأت الفتنة.
وللإمام عليه السلام رصيد علمي وعطاء معرفي على صعيد ترسيخ أصول الاعتقاد والأحكام والشرائع، والتصدي لبعض الدعوات المنحرفة والشبهات الباطلة، لا يسمح المجال بذكر تفاصيل ذلك

 ـ عبادته
كان دأب الإمام العسكري عليه السلام التوجّه إلى الله تعالى والانقطاع إليه في أحلك الظروف وأشدّها، فقد كان يحيي الأيام التي أمضاها في السجن بالصيام والصلاة وتلاوة القرآن على رغم التضييق عليه.
قال الموكلون به في سجن صالح بن وصيف: “أنه يصوم النهار ويقوم الليل كلّه لا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة4

 ـ زهده
كان الإمام العسكري عليه السلام مثالاً للزهد والاعراض عن زخارف الدنيا وحطامها، والرغبة فيما أعدّه الله له في دار الخلود من النعيم والكرامة.قال كامل بن إبراهيم المدني، وهو أحد أصحابه عليه السلام: “لما دخلت على سيّدي أبي محمد عليه السلام نظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه، فقلت في نفسي: وليّ الله وحجّته يلبس الناعم من الثياب، ويأمرنا نحن بمواساة الإخوان وينهانا عن لبس مثله ؟ فقال: متبسماً: يا كامل ـ وحسّر عن ذراعية، فإذا مسح أسود خشن على جلده ـ فقال: هذا لله وهذا لكم…5

 ـ كرمه وسماحته
كان الإمام العسكري عليه السلام معروفاً بالسماحة والبذل، وهي خصلة بارزة في سيرته وسيرة آبائه المعصومين:. قال خادمه محمد الشاكري: “ما رأيت قطّ أسدىمنه“. وقال الشيخ الطوسي: “كان عليه السلام مع إمامته من أكرم الناس وأجودهم6.

وكان عليه السلام يحثّ أصحابه على المعروف، فقد روى أبو هاشم الجعفري عنه أنه قال: “إن في الجنّة باباً يقال له المعروف، لا يدخله إلا أهل المعروف، قال: فحمدت الله تعالى في نفسي وفرحت بما أتكلّف به من حوائج الناس، فنظر إليّ أبو محمد عليه السلام فقال: نعم فَدُم على ما أنت عليه، فإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، جعلك الله منهم يا أبا هاشم ورحمك7

احترامه وهيبته عليه السلام
قال القطب الراوندي في صفة الإمام العسكري عليه السلام: “… له بسالة تذلّ لها الملوك، وله هيبة تسخّر له الحيوانات كما سخّرت لآبائه: بتسخير الله لهم إياها، دلالة وعلامة على حجج الله، وله هيئة حسنة، تعظّمه الخاصة والعامة اضطراراً، ويبجّلونه ويقدّرونه لفضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وصلاحه وإصلاحه…8

من هنا فقد وصف أحد خَدَم الإمام عليه السلام في حديث له، حضور الناس يوم ركوبه عليه السلام إلى دار الخلافة في كلّ اثنين وخميس، بأن الشارع كان يغصّ بالدواب والبغال والحمير، بحيث لا يكون لأحد موضع قدم،ولا يستطيع أحد أن يدخل بينهم، فإذا جاء الإمام عليه السلام هدأت الأصوات وسكنت الضجّة وتفرّقت البهائم وتوسّع له الطريق حين دخوله وخروجه.

وقد هابه حتى سجانوه، فكانوا يرتعدون خوفاً وفزعاً بمجرد أن ينظر إليهم، حيث قال بعض الأتراك الموكلون به في سجن صالح ابن وصيف: “ما نقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، ولا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا9

قالوا في الإمام العسكري عليه السلام
وشخصية الإمام أبي محمد العسكري عليه السلام ملء فم الدنيا في فضائلها، ومواهبها،وأخلاقها، وقد احتلت عواطف العلماء والمؤلفين والمؤرخين والشعراء في كل جيل وعصر، فأدلوا بجمل من الثناء والتعظيم على شخصيته

وذكر ابن أبي الحديد عن أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ في تعداد صفاته وصفات آبائه المعصومين: قوله: “من الذي يعدّ من قريش أو من غيرهم ما يعدّه الطالبيون عشرة في نسق ؛كل واحد منهم عالم زاهد ناسك شجاع جواد طاهر زاكٍ ؟ فمنهم خلفاء، ومنهم مرشّحون: ابن ابن ابن ابن، هكذا إلى عشرة، وهم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي:، وهذا لم يتّفق لبيتٍ من بيوت العرب ولا من بيوت العجم10

وقال قطب الدين الراوندي: “أما الحسن بن علي العسكري، فقد كانت خلائقه كأخلاق رسول الله… وكان جليلاً نبيلاً فاضلاً كريماً، يحتمل الأثقال ولا يتضعضع للنوائب… أخلاقة على طريقة واحدة

وقد أشاد بشخصيته حتى أخصامه،فهذا المعتمد العباسي الذي قصده جعفر الكذاب بعد وفاة أبيه ملتمساً دعم السلطة له في دعواه الإمامة، فقال له المعتمد: “إن منزلة أخيك لم تكن بنا، إنّما كانت بالله، ونحن كنا نجتهد في حط منزلته والوضع منه، وكان الله يأبى إلا أن يزيده كلّ يوم رفعة لما كان فيه من الصيانة، وحسن السمت، والعلم والعبادة، فان كنت عند شيعة أخيك بمنزلته، فلا حاجة بك إلينا، وإن لم تكن عندهم بمنزلته، ولم يكن فيك ما كان في أخيك، لم نغن عنك في ذلك شيئاً”11.

ومن رجال البلاط عبيد الله بن يحيى بن خاقان، الذي كان للإمام العسكري عليه السلام مجلس معه، فتعجب ابنه أحمد بن عبيد الله لمظاهر الحفاوة والإكرام والتبجيل التي حظي بها الإمام عند أبيه عبيد الله فقال له: “يا أبه من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الاجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وأبيك ؟ فقال عبيد الله ابن خاقان: يا بني ذاك إمام الرافضة، ذاك الحسن ابن علي المعروف بابن الرضا. فسكت ساعة، ثم قال: يا بني لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا، وإن هذا ليستحقّها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه ولو رأيت أباه رأيت رجلاً جزلاً نبيلاً فاضلاً

خاتمة
لقد استودعنا أمامنا عليه السلام الله تعالى وترك لنا بقية الله في أرضه إمامنا المهدي المخلص الموعود|، ففي حديثه: “يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله عزوجل وعلى حججه، ما عرضت عليك ابني هذا إنّه سمي رسول الله وكنيّه الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً”.إلى أن قال: “يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمرالله، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه، وكن من الشاكرين تكن معنا في علّيين12


1- أصول الكافي 1: 327 / 11
2- المؤمنون: 115.
3- إحقاق الحق 12: 473 و 19: 620 و 29: 65 عن عدة مصادر منها: الصواعق المحرقة، ونور الأبصار، ووسيلة المآل، وروض الرياحين وغيرها.
4-أصول الكافي 1: 512 / 23 ـ الإرشاد 2: 334.
5- الغيبة / الشيخ الطوسي: 247 / 216.
6- الغيبة / الشيخ الطوسي: 217.
7- المناقب / لابن شهر آشوب 4: 464، الفصول المهمة 2: 1082.
8- الخرائج والجرائح 2: 901.
9- أصول الكافي 1، الإرشاد 2: 334.
10- شرح نهج البلاغة 15: 278.
11- إكمال الدين: 479 ـ آخر باب 43.
12- إكمال الدين: 384.

معرفة الله عزوجل في كلمات الإمام العسكري عليه السلام

بسم الله الرحمن الرحيم

كلامه عليه السلام حول اسم اللّه الأعظم
– السيّد ابن طاووس رحمه الله: بإسنادنا أيضاً إلى محمّد بن الحسن الصفّار، بإسناده إلى أبي هاشم الجعفري، قال: سمعت أبا محمّد عليه السلام يقول: بِّسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها1.

كلامه عليه السلام حول بعض صفات اللّه تعالى
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: قال الإمام عليه السلام: قال اللّه عزّ وجلّ:… ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَفِل عَمَّا تَعْمَلُونَ بل عالم به، يجازيكم عنه بما هو به، عادل عليكم، وليس بظالم لكم، يشدّد حسابكم، ويؤلم عقابكم... 2.

التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: قال الإمام عليه السلام: وإلهكم… إله واحد لا شريك له، ولا نظير، ولا عديل، لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الخالق البارئ المصوّر الرازق الباسط المغني المفقر المعزّ المذلّ، الرَّحْمَنُ يرزق مؤمنهم وكافرهم وصالحهم وطالحهم، لا يقطع عنهم موادّ فضله ورزقه، وإن انقطعوا هم عن طاعته، الرَّحِيمُ بعباده المؤمنين من شيعة آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم…3.

  محمّد بن يعقوب الكليني رحمه الله:… يعقوب بن إسحاق، قال: كتبت إلى أبي محمّد عليه السلام أسأله كيف يعبد العبد ربّه، وهو لا يراه؟ فوقّع عليه السلام: يا أبا يوسف! جلّ سيّدي ومولاي، والمنعم عليّ وعلى آبائي أن يُرى، قال: وسألته هل رأى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ربّه؟ فوقّع عليه السلام: إنّ اللّه تبارك وتعالى أرى رسوله بقلبه من نور عظمته ما أحبّ 4.

محمّد بن يعقوب الكليني رحمه الله: سهل، قال: كتبت إلى أبي محمّد عليه السلام…، قد اختلف يا سيّدي! أصحابنا في التوحيد…. فوقّع بخطّه عليه السلام: سألت عن التوحيد، وهذا عنكم معزول، اللّه واحد أحد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، خالق وليس بمخلوق، يخلق تبارك وتعالى ما يشاء من الأجسام وغير ذلك، وليس بجسم، ويصوّر ما يشاء وليس بصورة، جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه أن يكون له شبه، هو لا غيره، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ُ5.

أبو منصور الطبرسي رحمه الله:… أنّ أبا محمّد العسكري عليه السلام قال:… إنّ اللّه عزّ وجلّ يتعالى عن العبث والفساد، وعن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه، فلا يأمرهم بمغالبته، ولا بالمصير إلى ما قد صدّهم بالقسر عنه. ثمّ قال: وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يعني في الآخرة العذاب المعدّ للكافرين، وفي الدنيا أيضاً لمن يريد أن يستصلحه بما ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبّهه لطاعته، أو من عذاب الإصطلام ليصيّره إلى عدله وحكمته 6.

الراوندي رحمه الله: قال أبو هاشم: سمعت أبا محمّد عليه السلام يقول: إنّ اللّه ليعفو يوم القيامة عفواً لا يخطر على بال العباد…7.

ابن حمزة الطوسي رحمه الله:
وعنه [ أي أبي هاشم الحعفري ]… نظر إليّ أبومحمّد عليه السلام، وقال: تعالى الجبّار العالم بالأشياء قبل كونها، الخالق إذ لا مخلوق، والربّ إذ لا مربوب، والقادر قبل المقدور عليه… 8.

ابن حمزة الطوسي رحمه الله: عن أبي هاشم الجعفري… وقال [ أبو محمّد العسكري عليه السلام ]: اللّه خالق كلّ شيء، وما سواه فهو مخلوق 9.

العلاّمة المجلسي رحمه الله: يروى عن عبد اللّه بن جعفر الحميري، قال: كنت عند مولاي أبي محمّد الحسن بن علي العسكري صلوات اللّه عليه… [وكتب عليه السلام]: اللّه الملك الديّان المتحنّن المنّان، ذي الجلال والإكرام، وذي المنن العظام، والأيادي الجسام، وعالم الخفيّات، ومجيب الدعوات، وراحم العبرات، الذي لا تشغله اللغات… 10.

كلامه عليه السلام حول علم اللّه تبارك وتعالى
– محمّد يعقوب الكليني رحمه الله:… جعفر بن محمّد بن حمزة، قال: كتبت إلى الرجل عليه السلام أسأله أنّ مواليك اختلفوا في العلم: فقال بعضهم: لم يزل اللّه عالماً قبل فعل الأشياء، وقال بعضهم: لا نقول لم يزل اللّه عالماً، لأنّ معنى يعلم يفعل، فإن أثبتنا العلم فقد أثبتنا في الأزل معه شيئاً، فإن رأيت جعلني اللّه فداك! أن تعلّمني من ذلك ما أقف عليه ولا أجوزه. فكتب عليه السلام بخطّه: لم يزل اللّه عالماً تبارك وتعالى ذكره 11.

كلامه عليه السلام حول فضل كلام اللّه تعالى على غيره:
– الإربلي رحمه الله: قال أبو هاشم: سمعت أبا محمّد عليه السلام يقول: إنّ لكلام اللّه فضلا على الكلام كفضل اللّه على خلقه، ولكلامنا فضل على كلام الناس كفضلنا عليهم 12.

كلامه عليه السلام حول التوحيد في العبادة
محمّد بن يعقوب الكليني رحمه الله:… محمّد بن الربيع الشائي قال: ناظرت رجلا من الثنويّة بالأهواز، ثمّ قدمت سرّ من رأى.. إذ أقبل أبو محمّد عليه السلام من دار العامّة يوم الموكب، فنظر إليّ وأشار بسبّابته أحد، أحد، فرد…13.

الشيخ الصدوق رحمه الله:… أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد وأبو الحسن علي بن محمّد بن سيّار، وكانا من الشيعة الإماميّة، عن أبويهما، عن الحسن بن علي بن محمّد عليهم السلام في قول اللّه عزّ وجلّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فقال: اللَّهِ هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج والشدائد كلّ مخلوق، وعند انقطاع الرجاء من كلّ مَن دونه، وتقطّع الأسباب من جميع من سواه. تقول: بِسْمِ اللَّهِ أي أستعين على أُموري كلّها باللّه الذي لا تحقّ العبادة إلاّ له، المغيث إذا استغيث، والمجيب إذا دعي14….

كلامه عليه السلام حول الشرك باللّه تعالى
– الشيخ الطوسي رحمه الله:… عن أبي هاشم الجعفري، قال: سمعت أبامحمّد عليه السلام يقول: من الذنوب التي لا تغفر قول الرجل ليتني لا أؤاخذ إلاّ بهذا، فقلت في نفسي: إنّ هذا لهو الدقيق، ينبغي للرجل أن يتفقّد من أمره ومن نفسه كلّ شيء. فأقبل علي أبو محمّد عليه السلام فقال: يا أبا هاشم! صدقت…، إنّ الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذرّ على الصفا في الليلة الظلماء، ومن دبيب الذرّ على المسح الأسود 15.

موسوعة الإمام العسكري عليه السلام


1 – مهج الدعوات: 379، س 18، عنه البحار: 90 / 224، س 1. تحف العقول: 487، س 5، مرسلا، عنه البحار: 75 / 371، ح 6. الفصول المهمّة لابن الصبّاغ: 285، س 15. إثبات الوصيّة: 150، س 5. نور الأبصار: 341، س 14، عنه إحقاق الحقّ: 12 / 476، س 15. كشف الغمّة: 2 / 420، س 14، عن دلائل الحميري. عنه البحار: 89 / 257، ح 51. قطعة منه في سورة الفاتحة.
2 – التفسير: 283، ح 141. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 576.
3 – التفسير: 573، ح 336. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 599.
4 – الكافي: 1 / 95، ح 1. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 829.
5- الكافي: 1 / 103، ح 10. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 754.
6 – الاحتجاج: 2 / 505، ح 334. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 546.
7- الخرائج والجرائح: 2 / 686، ح 7. يأتي الحديث بتمامه في رقم 513.
8 – الثاقب في المناقب: 566، ح 507. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 616.
9 – الثاقب في المناقب: 568، ح 511. تقدّم الحديث بتمامه في ج 1، رقم 331.
10 – البحار: 99 / 238، ح 5، عن الكتاب العتيق. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 841.
11 – الكافي: 1 / 107، ح 5. يأتي الحديث بتمامه مع ترجمة الراوي في ج 3، رقم 742.
12 – كشف الغمّة: 2 / 421، س 13. يأتي الحديث أيضاً في فضل القرآن على غيره.
13 – الكافي: 1 / 511، ح 20. تقدّم الحديث بتمامه في ج 1، رقم 306.
14 – معاني الأخبار: 4، ح 2. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 533.
15 – الغيبة: 207، ح 176. يأتي الحديث بتمامه في ج 3، رقم 646.

الامام السجاد(ع) المنادي لمحورية الدين في العصر الأموي المعادي للدين

 

بسم الله الرحمن الرحيم

محاور الموضوع:
1- تمهيد: في أهمية الدين في حياة الناس.
2- سعي الحكام الظالمين في الصدّ عن الدين الحقّ بطرق شتىّ وأساليب.
3- كيف جابه الامام السجاد عليه السلام المؤامرة الاموية على الدين الاسلامي؟.

الهدف
تبيين دور الامام السجاد عليه السلام في مواجهة حرب الأمويين على الاسلام.

تصدير الموضوع
عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه عندما نزلت آية “يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم” قال جابر: يا رسول الله عرفنا الله ورسولَه فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال صلى الله عليه واله: “هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي بن أبي طالب ثم الحسن والحسين ثم علي بن الحسين…1.

تمهيد: أهمية الدين في حياة الناس
لقد خلق الله سبحانه الإنسان مفطوراً على الدين، فالدين أمرٌ فطري كما يصرح بذلك القرآن الكريم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾2. وقد بعث الله تعالى الانبياء –وبمساعدة خلفائهم- على امتداد التاريخ لهداية البشر الى الدين الحق لما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وقد بذلوا أقصى جهودهم في سبيل إبلاغ رسالاتهم، وهداية البشرية، وتحمّلوا كل ألوان المتاعب والتحدّيات، بل ضحّوا بأرواحهم في سبيل هذا الهدف، الى أن ختمت مسيرة الأنبياء بالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه واله . وهذا ما يشير اليه الامام علي عليه السلام: “فبعث فيهم رسلَه وواتر إليهم أنبياءه ليستأدّوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منَّسيّ نِعمته3.

ومن هنا كان دور الأئمة من أهل البيت عليه السلام -بعد رسول الله الخاتم- احياء الدين الاصيل في نفوس الناس وازالة التشويهات التي مسخته وازالت دوره من حياة الناس، وكان للامام السجاد عليه السلام دور بارز في مجابهة التشويهات التي افتعلها بنو امية.

وسعي الحكّام الظالمين في الصدّ عن الدين الحقّ بطرق شتى
أ: التصدّي للذين يبلّغون رسالات الله، بالضغط، والأسر، والتشريد، والحبس، والقتل
ب: تزييف الأديان وتحريفها بالبدع، وبثّ التعاليم الباطلة، والعمل من أجل ترويجها.
ج: منع تثقيف الناس، حذراً من تنبّههم إلى ما هم عليه من خلل ونقص في الحياة المادّية، وما هم فيه من ذلّ ومهانة في الحياة المعنوية.
د: محاولة استيعاب أجهزة التعليم، بوضع المناهج التعليمية المشبوهة والمحرّفة.
وهذا ما فعله بنو امية بدءً بمعاوية فقد استعمل هذا الأسلوب بكل جرأة لما استولى على أريكة الخلافة، فعمّم كتاباً على أقطار نفوذه، يأمر فيه الولاة بوضع الأحاديث والروايات واختلاقها، وبثّها بين الناس في المدارس والمساجد والكتاتيب والبيوت، ليربّي جيلاً ناشئاً مشبّعاً بتلك التعاليم المزوّرة في صالح الأمويين، والتي تعارض التعاليم الإسلامية الأصيلة.

وقد قام الإمام السجاد عليه السلام في عصره بأداء دور مهمّ في هذا الميدان الشائك بعد أن استلهم العلوم من مصادرها الأمينة الموثوقة وصار الدور إليه في قيادة الأمة ودلالتها إلى الحق والخير. فكان معلّماً للحقّ، يبثّ الفضيلة، ويدعو إلى الإسلام المحمّديّ الأصيل، الذي توارثه عن آبائه، والموصول بالرسول صلى الله عليه واله بأوثق السبل، وأقرب الطرق. وأصبح لكونه حاملاً أميناً للتعاليم الإسلامية الرصينة، وقائماً مخلصاً بالشؤون الدينية الحقّة سدّاً منيعاً في مواجهة كلّ انحراف وتزوير كان يبديه علماء السوء من وعّاظ السلاطين.

كيف جابه الامام السجاد عليه السلام المؤامرة الاموية على الدين الاسلامي؟

1-ربط الناس بالقران والاحاديث الصحيحة
انّ من أهم مصادر الفكر الاسلامي القرآن والسنّة، وقد حاول الامام تعزيز هذين المصدرين في نفوس المسلمين، بعد ان مسخهما الامويون، بمسخ مفاهيمهما والمنع عن تدوين حديث رسول الله صلى الله عليه واله. وكانت عملية منع الحديث تدويناً ورواية بدأت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه واله مباشرة وارتفع هذا المنع بقرار من قبل الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز. قام الامام عليه السلام بتعزيز هذين المصدرين أما القران فقال فيه: ” عليك بالقرآن، فإن الله خلق الجنة بيده، لبنة من ذهب ولبنة من فضّة، وجعل ملاطها المسك، وترابها الزعفران، وحصاها اللُؤلؤ، وجعل درجاتها على قدرآيات القرآن، فمن قرأ منها قال له: “ إقرأ وارق”ومن دخل الجنة لم يكن في الجنة أعلى درجة منه، ما خلا النبيين والصديقين4.

آيات القرآن خزائن العلم، فكلّما فتحت خزانة ينبغي لك أن تنظر ما فيها5
لو مات مَنْ ما بين المشرق والمغرب ما استوحشتُ بعد أن يكون القرآن معي6

2- ربط الناس بالائمة عليهم السلام

لقد حاول الامويون ابعاد الناس عن أهل البيت عليه السلام بشتى الاساليب من الارهاب الى الترغيب حتى وصل الامر برأسهم معاوية ان أمر بلعن أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر ومعاقبة من يتسمى بأسماء أهل البيت عليهم السلام . وقد جابه امامنا السجاد عليه السلام ذلك بتعريف الناس بمقام أهل البيت عليهم السلام قال له أبو خالد الكابلي: يا مولاي أخبرني كم يكون الأئمة بعدك? فقال: “ثمانية، لأنّ الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه واله اثنا عشر إماماً، عدد الأسباط، ثلاثة من الماضين، وأنا الرابع، وثمانية من ولدي، أئمة أبرار، مَن أحبَنا وعمل بأمرنا كان في السنام الأعلى، ومَن أبغضنا أو ردَ واحداً منّا فهو كافر بالله وبآياته7

وقال عليه السلام: “ نحن أئمّة المسلمين، وحُجَجُ الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجّلين، وموالي المؤمنين، ونحنُ أمانُ أهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء… ولو ما في الأرض منّا لساخَتْ بأهلها، ولم تَخْلُ الأرض منذ خلقَ اللهُ آدمَ من حُجّةٍ لله فيها، ظاهرٍ مشهورٍ أو غائب مستورٍ، ولا تخلو، إلى أنْ تقوم الساعة، من حجّة لله فيها، ولولا ذلك لم يُعبد الله8

3-تصحيح المفاهيم

لقد روجّ الامويون لمفاهيم خاطئة ألبسوها لباس الدين منها

أ-عقيدة الجبر: وكان من أخطر ما روّجوه بين الاُمة وأكّدوا على إشاعته هو فكرة (الجبر الإلهي) بهدف التمكّن من السلطة التامة على مصير الناس، والهيمنة على الأفكار بعد الأجسام. فإن الأمة إذا اعتقدت بالجبر، فذلك يعني: أن كل ما يجري عليها فهو من الله وبإذنه، فما يقوم به الخليفة من فساد وظلم وجور وقتل ونهب وغصب، فهو من الله تعالى عن ذلك. وبذلك تستكين الأمة للظالم ولتعدياته، فكيف يرجى من أمة كهذه أن تقوم بوجه سلطة الظالم واعتداءاته وتجاوزاته.

وأول ما انتحله معاوية من التفرقة بين المسلمين هو القول بالجبر، فقد كان هو أوّل مَنْ أظهره.
قال القاضي عبد الجبار: “أظهر معاوية أن ما يأتيه بقضاء الله ومن خلقه، ليجعله عذراً في ما يأتيه ويوهم أنه مصيب فيه، وأن الله جعله إماماً وولاه الأمر، وفشا ذلك في ملوك9

وقد أظهر يزيد، أن الحسين عليه السلام إنما قتله الله فأعلن ذلك في مجلسه وأمام الناس. لكن الإمام السجاد عليه السلام لم يترك ذلك يمرّ بلا ردّ، فانبرى له وقال ليزيد: قتل أبي الناسُ10.

ب- مهزلة الإرجاء: الإرجاء، بمعنى عدم الحكم باسم “الكفر” على مَنْ آمن بالله ظاهراً، في ما لو أذنب ما يوجب ذلك، وأن حكماً مثل هذا موكول الى الله تعالى، ومُرْجَأ إلى يوم القيامة، وأن الذنوب مهما كانت والمبادي السياسية مهما كانت، لا تُخرِج المسلم عن اسم الإيمان، ولا تمنع من دخوله الجنة. بل كان منهم من يقول: إن الإيمان هو مجرد القول باللسان، وإن عُلِمَ من القائل الاعتقاد بقلبه بالكفر، فلا يُسمّى كافراً. وكان الملتزمون بالإرجاء، يتغاضون عمّا يقوم به الحكّام والسلاطين مهما كانت أفعالهم مخالفة لأحكام الإسلام في آيات قرآنه ونصوص كتابه وسنّة رسوله. وهذه المزعومة – الإرجاء – باطلة أساساً، لدلالة النصوص الواضحة على أنّ العمل فعلا وتركاً له أثر مباشر في صدق أسماء الإيمان والكفر. ولذلك أعلن أئمة المسلمين بصراحة ومنهم امامنا السجاد عليه السلام: أن الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان.

خاتمة: هذا بعض من جهاد امامنا السجاد ومواجهته لاعداء الدين الذين حاربوا الدين تحت غطاء لباسه وظاهره وتركوا حقيقته وعدله وصفاءه وابتعدوا وحاربوا ائمة اهل البيت الذين هم الثقل الثاني للاسلام


1-بحار الأنوار- المجلسي- ج 36 ص 250. ينبغي الاشارة الى ان للحديث بقية في تعداد الائمة.
2- الروم: 30
3-نهج البلاغة خ1
4-تفسير البرهان (3: 156).
5- اصول الكافي (2: 609) المحجة البيضاء (2: 215).
6- الكافي الاصول (2: 602) وانظر المحجة البيضاء (2: 215) وبحار الأنوار (46: 107).
7- كفاية الأثر للخزّاز (ص 236 -237).
8- أمالي الصدوق (ص 112) الاحتجاج (ص 317).
9-لاحظ رسائل العدل والتوحيد (2: 46).
10- الاحتجاج (311).